#adsense

قراءة في ميزان الربح والخسارة في اتفاق الدوحة

حجم الخط

بين المكاسب الظاهرة والنتائج غير الظاهرة:
قراءة في ميزان الربح والخسارة في اتفاق الدوحة
فادي شامية

أفضل الاتفاقات هي تلك التي يشعر فيها كل طرف أنه هو الرابح أكثر من سواه، جراء التسوية. هذا الشعور المتبادل هو الضمانة الأساس لأي اتفاق. ما جرى في الدوحة ينطبق كلياً على هذا التوصيف، وإن كان عنوان الاتفاق أنه أفضل الممكن، تحت الشعار التاريخي اللبناني: "لا غالب ولا مغلوب"، فكل فريق أدرك أنه جلب "الانتصار للبنان"، وفق نظرته الخاصة، وأن تحقيق نصر كامل غير ممكن في لبنان، البلد التوافقي إلى حد الاختناق. على هذا الأساس، وفي "زمن الانتظار" الإقليمي ـ الدولي، رحبت جميع الأطراف المحلية، وباركت كل الأطراف الإقليمية والدولية بما عرف بـ"صلح الدوحة".

التوافقية اللبنانية التي تمنع الانتصارات والهزائم الكاملة، مهما بلغت قوة أو ضعف كل طرف، لا تعني إنعدام إمكانية تحقيق مكاسب مهمة للأطراف المتصارعة، والتي لا تكون كلها ظاهرة بالضرورة، بل ربما تعد بعض التنازلات انكساراً، فيما الحقيقة غير ذلك، سواء في الحال أو المآل، ومثل ذلك يقال عن الانتصارات.

بمراجعة ميزان الربح والخسارة في اتفاق الدوحة يبدو أن الطرف الذي حقق مكاسب ظاهرة أكثر، هو "المعارضة"، على اعتبار نيلها الثلث+1 في الحكومة، وهو مطلبها الأساس، لكن التدقيق في الاتفاق، والنظر إليه كوحدة متكاملة، لا يؤكد هذه النتيجة، بل إن روعة ما نص عليه "صلح الدوحة" أنه سمح لكل طرف أن يبدو أمام جمهوره كأنه المنتصر ـ بمقدار ما تسمح به التوافقية اللبنانية ـ، فيما الحقيقة أن الاتفاق كرّس "اللا غالب واللا مغلوب"، بعيداً عن تثمير "النصر العسكري" في بيروت، ودائماً وفقاً للمعطيات المحلية والإقليمية والدولية لحظة إبرامه.

"انتصارات المعارضة" الظاهرة

في اتفاق الدوحة نالت "المعارضة" مطلبها المزمن، وهو حكومة وحدة وطنية، لها فيها الثلث+1، ما سمح لها بالقول إنها حققت "انتصاراً" لطالما حاولت الأغلبية النيابية حرمانها منه. كما أن تراجع الحكومة عن قراريها المتعلقين برئيس جهاز أمن المطار وشبكة اتصالات "حزب الله"، شكّل "انتصاراً" آخر لـ"المعارضة". "الانتصاران" في حقيقتهما يفيدان أن "المعارضة" نالت "الثلث المعطل"، في الشارع أولاً، عندما "أجبرت" الحكومة على التراجع، ولو بشكل غير شرعي وغير حضاري، وتكرّس ثانياً، في انتزاعها الثلث المعطل اتفاقاً في الحكومة. بمعنى آخر بدا واضحاً أن الحكومة، وطيلة الفترة التي سبقت، لم تكن قادرة على أن تحسم في ما خص القرارات التي تحتاج الى أغلبية الثلثين، ولا أن تأخذ قرارات حساسة ولو كانت تحتاج إلى أغلبية مطلقة فقط، وهي عندما حاولت أن "تحكم" بأخذها قرارات اعتبرتها "المعارضة" تمس بها، فرضت هذه الأخيرة على الحكومة التراجع، فكرّست ما تسميه "الثلث الضامن" بالقوة. وعلى هذا الأساس يكون منح "المعارضة" لـ"الثلث الضامن" من باب تحصيل الحاصل، خصوصاً بعدما أصبحت المحكمة الدولية حقيقة موجودة، لا يمكن تعطيلها في أي حكومة قادمة.

يمكن لـ"المعارضة" أيضاً القول إنها "فرضت" القانون الانتخابي، أي قانون الستين، ونظراً الى شدة التجاذب، فإنه يكفي أن ينال أي طرف ما ينادي به حتى يحقق انتصاراً ما لجمهوره، ولو كانت نتيجة ما يطرحه هذا الطرف لغير صالحه، لدرجة يغيب معها أن قانون الـ2000، إنما وضعه غازي كنعان، لضرب "تيار المستقبل" في الأساس، وأنه سمح للتحالف الشيعي "أمل" و"حزب الله"، بحصد مقاعد الشيعة بسهولة مطلقة، وأن الجنرال ميشال عون، حليفها الحالي حتى إشعار آخر، كان المستفيد الأكبر من التحالف الرباعي، بعدما أشعر المسيحيين أنهم مستهدفون في هذا التحالف، ما سمح لعون بتشكيل كتلة برلمانية، ستتقلص كثيراً في الانتخابات المقبلة، ووفق التقسيمات الجديدة التي حررت نسبياً الصوت المسيحي، وحرمت عون من نجدة الصوت الشيعي في أكثر من دائرة.

مرة جديدة يمكن لـ"حزب الله" وفق اتفاق الدوحة، أن يؤكد لجمهوره عجز أي فريق عن طرح مسألة سلاحه على طاولة نقاش جدي، بدليل أن اتفاق الدوحة نص على تأجيل بحث هذا الموضوع، وأن استعمال السلاح في الداخل ليس وارداً عند "حزب الله" أساساً لولا أنه "اضطر للدفاع عن السلاح بالسلاح". وفق هذه المعطيات يمكن لـ"حزب الله"، الرافعة الأساس لـ"المعارضة"، أن يقول إنه عاد من الدوحة منتصراً.

مكاسب الأكثرية

المكسب الأساس للأكثرية النيابية أنها نقلت الصراع من الشارع إلى المؤسسات. هذا المكسب لم ينص عليه اتفاق الدوحة صراحة، ولكنه هو الروح الحقيقية للاتفاق، وهو ليس بالمكسب الهين، ببساطة لأن الأكثرية لا تملك قوة مسلحة في الشارع، ولأن القوى الشرعية اللبنانية عجزت عن حمايتها، ولأن مجلس النواب، الذي تملك فيه الموالاة الأغلبية، تعذر فتحه على مدى عام ونصف العام تقريباً، كما فشلت كل محاولات انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وإذ بالاتفاق يفتح البرلمان من جديد، ويزيل الاعتصام من أمام الحكومة التي ترأسها الأغلبية، ويرفع عنها صفة عدم الشرعية والدستورية والميثاقية، التي كانت شماعة للكثير من المخالفات الدستورية والقانونية في الفترة الماضية، كما سهّل الاتفاق انتخاب المرشح التوافقي للرئاسة ميشال سليمان، وأعاد للقوى الأمنية الشرعية دورها الذي كاد أن ينتهي بسيطرة المسلحين غير الشرعيين على شوارع بيروت.
الانتخابات على أساس القضاء ليست سيئة بالنسبة الى الأغلبية، وإذا صحت التوقعات بحجم التراجع الذي أصاب عون، وإذا ما حافظت قوى "14 آذار" على وحدتها وتماسكها، فستنال أغلبية نيابية من جديد.

كما أن ما نص عليه الاتفاق في ما خص: "حظر اللجوء الى استخدام السلاح أو العنف" و"حصر السلطة الأمنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين بيد الدولة" و"ألا تكون هناك مناطق يلوذ إليها الفارون من وجه العدالة"، كل ذلك، ليس بالقليل بعد الذي جرى في بيروت. صحيح أنه كلام قد تطيح به القوة العسكرية عند الحاجة، تماماً مثلما أطاحت بالتعهدات السابقة بعدم استخدام السلاح في الداخل، إلا أن الصحيح أيضاً أن هذا النص المكتوب محمي هذه المرة برعاية إقليمية، وأن لبنان بوجود رئيس للجمهورية هو غيره بلا رئيس.

في الشكل تمكنت الأغلبية من المشاركة في طاولة حوار لا يرأسها الرئيس نبيه بري بوصفه راعياً للحوار وطرفاً في الأزمة في آن معاً، وفي المضمون نجحت في إدخال بنود إضافية على الحكومة والانتخاب ولو نظرياً، كما تجاوزت الاعتراضات السابقة من الجنرال عون على تسمية أي رئيس حكومة من "تيار المستقبل" أسوة بـ"تنازل" عون عن رئاسة الجمهورية، كما تخلصت من التعطيل الرئاسي الذي مارسه هذا الأخير، طيلة ستة أشهر بدعوى أنه يمثل 70% من المسيحيين.

في اتفاق الدوحة تنازلات "ظاهرة" للأغلبية، لكن الثمن الذي دفعته "المعارضة"، وتحديداً "حزب الله" على الصعيد الشعبي مرتفع جداً. فالحزب وضع رصيده في "الصولد"، مقابل تحقيق ذلك، وقد حمل فعلاً عبء "زعرنات" وتجاوزات كل العناصر المسلحة التي دخلت على جسد آلته العسكرية إلى شوارع بيروت، وقضى بفعله، وبغباء واجهاته السنية ـ التي تصرف أكثرها بشكل انتقامي ـ على ما تبقى منها، مثلما قضى على جزء جديد من شعبية حلفائه المسيحيين.

النتائج غير الظاهرة لاتفاق الدوحة ستظهر تباعاً، والتي لن يكون أولها الانتخابات النيابية في العام 2009. لقد نجحت قطر في قراءة واقع كل الأطراف المحلية والإقليمية، فانتزعت حلاً في الوقت المناسب، ليس من مصلحة أحد إسقاطه حالياً، ومن أجل ذلك يمكن القول بارتياح إنه اتفاق لمصلحة لبنان، ولمصلحة جميع الأطراف فيه.paste

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل