#adsense

أوجاع ما بعد العرس

حجم الخط

أوجاع ما بعد العرس

في مجلس النواب العائد من موت طويل. وعلى بعد مئات الأمتار من السراي العائد من حصار طويل. وعلى مقربة من الساحات التي كانت مزروعة بالخيام. في نقطة تقع بين تمثال رياض الصلح وضريح رفيق الحريري، وتطل على صورتي جبران تويني وبيار أمين الجميل. في قلب بيروت التي أخفت أمس جروحها وغطت الألم بالأمل.

في هذا المكان القريب من خطوط التماس القديمة والجديدة لبنانياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، وفي حضور ممثلي المتقابلين على تلك الخطوط، انتخب العماد ميشال سليمان أمس رئيساً للجمهورية اللبنانية وسط مبايعة عربية ودولية.

التقوا تحت سقف واحد وتجاورت مقاعدهم. الأكثرية «الوهمية» كانت هناك ولم تكن وهمية. ومعارضة الثلث «المعطل» ولم تراودها الرغبة في التعطيل. حضرت حكومة السنيورة وغاب لقب «البتراء» لينام في أدراج الرئيس نبيه بري المصمم البارع لأزياء الجمهورية حتى ولو جرح مقصه المادة 74 من الدستور.

التقوا تحت سقف واحد. ممثلو الدول الكبرى. وممثل الأمين العام للأمم المتحدة. الحضور الأوروبي كان لافتاً. حضرت القوة الصاعدة في الإقليم فهي صارت جزءاً من الساحة اللبنانية. وعلى مقربة منها حضرت الحكمة التركية على مستوى رفيع. حضر عرب الاعتدال. وعرب الممانعة. لم يخفِ أمير قطر بهجته. وأكد حمد بن جاسم قدرته على نسج الخيوط وفتح الخطوط. وغمرت الفرحة عمرو موسى. لقد أخضعه اللبنانيون لامتحان مرير يؤهله للفوز بجائزة نوبل للصبر وطول البال.

صدق أو لا تصدق. مصافحات ومعانقات. تحيات وابتسامات. تهانٍ ومباركات. لغات ولهجات. كأن العالم بأسره جاء ليهنئ الجمهورية التائهة بعثورها على رئيس بعد مكابدة الأمرّين. وسط عرس لبناني وإقليمي ودولي وقف الجنرال يؤدي اليمين الدستورية. أغلب الظن انه تذكر على عادة العسكريين يوم تسلم السيف ووعد بلاده بألا يبخل عليها أو يتلكأ.

لذيذة الأعراس. لحظة استثنائية فعلاً. العرس يمتحن الأصدقاء. يكشف مقدار التعاطف. يشكل فرصة للاحتضان. تتويج للحلم. إطلاق لموسم العسل. العرس أول القفص. والزواج من هذه الجمهورية ممتع ومؤلم.

عرس استثنائي يا فخامة الرئيس. يستحق الإعجاب. ويثير الحسد ايضاً. لم يحظ أسلافك بمثله. ويصعب ان يظفر الآتون بعدك بشبيهه. عبر العرب عن حب شديد للبنان. عبر العالم عن تعاطف حقيقي. اللبنانيون مشكلة لبنان. يحبونه أكثر مما يجب أو يحبونه أقل. دائماً يخطئون في طريقة الحب. يعشقونه من الوريد الى الوريد.

عرس استثنائي يا فخامة الرئيس. فرصتك لإعادة القصر قصراً. لإعادة الرئاسة الى موقعها. لإعادة الرئيس رمزاً ومرجعاً. لاستعادة ما خطف من بريقها على يد زعماء أو رؤساء.

عرس يستحق الحسد. الجمهورية صارت في عهدتك. والحوار صار في عهدتك. والرؤساء الآخرون رؤساء في عهدك. وزعماء الكتل زعماء في عهدك. وهذا يقلق يا فخامة الرئيس على شهر العسل وما يليه. فقد استعذب كثيرون بقاء الجمهورية بلا رئيس. ومن حقك ان لا ترتضي منهم وصياً على عهدك فلست مديناً لأحد. أنت رئيس الحاجة إليك. من حقك أن لا تقبل وصياً من الداخل أو الخارج. من حقك ومن واجبك.

عرس يستحق الحسد. أفكر في سياسيين موارنة. وضعهم صعب. وعدوا زوجاتهم وأولادهم وأحفادهم وأصهارهم بالقصر. وعدوا أنفسهم بلقب «فخامة الرئيس». أعرف حجم الأعراض الرئاسية التي تصيب بعضهم كلما اقترب الاستحقاق الرئاسي. أعرف كم يدور القصر في رؤوسهم وكم يؤرقهم. أدرك حجم خيبتهم وغضبهم. وعدوا أنفسم بالتاريخ. كأنه لا يدخل إلاّ من بوابة القصر. ولأنني مواطن صالح أشاطرهم آلامهم. رأيتهم يقترعون ويتوجعون. على اللجنة الوزارية العربية ان تمدهم بالضمادات والمهدئات وتساعدهم في كتابة المذكرات. وهذا الكلام مجرد مداعبة تتيحها الأعراس.

عرس استثنائي يا فخامة الرئيس. لكن الزواج من الجمهورية كأي زواج. أهم من العرس ما يحدث بعد العرس. صيانة المشاعر وتعميقها. وتوثيق التفاهم والاتفاق على المفردات. التعلم من الدروس والتطلع الى المستقبل. الابتعاد عن الكيدية وتسجيل المواقف. تفادي الغضب والرهان على الخارج. الامتناع عن الصراخ وإقلاق الجيران وتحطيم الأواني. عدم الوقوع في انتظار موعد الطلاق.

ما بعد العرس أهم من العرس. الاستحقاقات الداهمة تشكل امتحاناً كبيراً. هل سيستمر هذا الاحتضان الداخلي أم ان حبر الدوحة سيتبخر سريعاً؟ هل سيستمر الاحتضان العربي والدولي أم سينشغل العرب والعالم بملف آخر؟ وهل سيحظى اتفاق الدوحة بمواكبة عربية فاعلة ويقظة ام سيترك الرئيس لينزع وحده أشواك الجمهورية؟

لا نريد تنغيص العرس بالمخاوف. نأمل ان تكون أوجاع ما بعد العرس أقل مما نتوقع. المختبر اللبناني في عهدتك ايها الجنرال – الرئيس. تفويضك أوسع من أي تفويض آخر على أرض الجمهورية اللبنانية المريضة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل