#adsense

بلاغ رقم واحد في ثورة على الفراغ الدستوري

حجم الخط

بلاغ رقم واحد في ثورة على الفراغ الدستوري

… لأن رئيس الجمهورية الجديد تجاوز في خطبة القسم العموميات التقليدية التي كان يمكن ان تجعل كلامه خطاب مناسبات، ليوجه دعوة الى كل المواطنين والقوى السياسية للمشاركة في مشروع وطني يلتقي عليه الجميع "بذهنية متقدمة لنصل الى ما يخدم الوطن" يعيده "الى الخارطة الدولية في دور نموذجي" لانه "وطن الرسالة الذي يحمل تلاقي الحضارات"…

يدفعنا ذلك كله الى الاستعاضة عن الافتتاحية الاسبوعية بنشر نص خطبة الرئيس في مقامها لاننا نعتبره بمثابة "البلاغ رقم واحد" الذي كان يمكن ان ينشره لو وافق على القيام بالانقلاب الذي بدا في لحظة حاجة ملحة للخروج من الأزمة الدستورية، فاذا بالرئيس في خطبة القسم يدعونا الى تفعيل المؤسسات الدستورية (…) لتحقيق التوازن المطلوب بين الصلاحيات والمسؤوليات، يمكّن المؤسسات، بما فيها رئاسة الجمهورية، من تأدية الدور المنوط بها".

الدور المنوط بها؟

إنه مسؤولية الرسالة والسهر على تأمين وسائل النجاح للمشروع الوطني الذي دعا اليه، في خطبة تذكّرنا بأيام التأسيس للاستقلال… بل هي دعوة الى استقلال جديد وصناعة ميثاق وطني جديد.

نكاد نقول: حظنا كان كبيراً اذا كان "الفراغ الرئاسي" الذي عذبنا كل هذه الحقبة الماضية هو الذي أدى الى ثورة (و"سمعانية" لمن يريد ان يسمع فيفهم!) على الفراغ الموروث.

الــجــواب، بل التجاوب الموعــود في الانتخابات التي وعد الرئيس، بل أمل ان "تؤمن صحة التمثيل" على نحو يستتبع قبولنا بنتــائج الانتخابات واحترامنا للارادة الشــعــبية.

"دولة الرئيس، حضرة النواب،

كان احب الى قلبنا ان نبدأ هذا الاستحقاق بدقائق فرح، لكني واثق من ان صمتنا ستهلل له ارواح شهدائنا وهم في جوار ربهم، كونه يؤسس لمرحلة واعدة لابناء الوطن الذي ينهض من كبوة له بفعل وعي المواطنين، ورفضهم الوقوع في عملية قتل الذات، وعمل المخلصين والاشقاء، لتخفيف السيئات، ومحو التداعيات.

انني اليوم، وفي ادائي اليمين الدستورية، انما ادعوكم جميعا، قوى سياسية ومواطنين، لنبدأ مرحلة جديدة عنوانها لبنان واللبنانيون، نلتزم فيها مشروعا وطنيا نلتقي عليه، بذهنية متقدمة، لنصل الى ما يخدم الوطن ومصلحته كأولوية على مصالحنا الفئوية والطائفية، ومصالح الآخرين.
ان الاستقرار السياسي المنشود، يفرض علينا تفعيل المؤسسات الدستورية، حيث وجب احتضان الافكار السياسية وتبايناتها، وصولا الى قواسم مشتركة تؤمن مصلحة الوطن وابنائه.

ان الخلاف السياسي، وما نتج منه من اشكاليات دستورية مررنا بها، ينبغي ان يشكل حافزا لنا، ليس فقط لايجاد المخارج، لما يمكن ان نقع فيه مستقبلا، وانما ايضا لتحقيق التوازن المطلوب، في ما بين الصلاحيات والمسؤوليات، يمكن المؤسسات، بما فيها رئاسة الجمهورية، من تأدية الدور المنوط بها.

ان لبنان، وطن الرسالة، والذي يحمل تلاقي الحضارات، وتعددية فذة، يدفعنا للانطلاق معا، في ورشة عمل، فنصلح اوضاعنا السياسية والادارية، والاقتصادية والامنية، فنعيد الوطن الى الخارطة الدولية، في دور نموذجي يعكس فرادته واشراقته المعهودة.

لقد اختار لبنان السير في ما اتفق عليه في الطائف، وهو مدعو الى حماية هذا الخيار والعمل على ترسيخه. لانه ينبع من الارادة الوطنية الجامعة. فتحصين اي قرار سياسي لا يتم الا بهذه الارادة. اضافة الى ان ما يربط اللبنانيين، من ميثاق وطني، نتيجة ارادتهم، وهو صنو الدستور، وقد برهن انه الاقوى والاسمى من اي توجه خارجي.

ان علاقاتنا الخارجية تبقى الاصلح والافعل، بمقدار ما تنطلق من هذا الميثاق، فتؤمن وتحمي مصالح لبنان وتحترم خصوصيته وتتيح له استعادة دوره الفاعل في محيطه العربي والمجتمع الدولي، كونه المثال الحي لتعايش الثقافات.

ايها السادة النواب،

ان الشعب اولانا ثقته لتحقيق طموحاته، وليس لارباكه بخلافاتنا السياسية الضيقة. ولعل اخطر ما برز في السنوات الاخيرة، خطاب سياسي يرتكز على لغة التخوين، والاتهامات المتبادلة، مما يمهد لحالة التباعد والفرقة، وخصوصا بين الشباب، لذا وجب الادراك والعمل على تحصين الوطن، والعيش الواحد عبر التلاقي ضمن ثقافة الحوار، وليس بجعله ساحة للصراعات.

ان سمة الديموقراطية الاساسية، تداول السلطة، عبر انتخابات حرة. واذا كان من الاهمية بمكان، اعتماد قانون انتخابي يؤمن صحة التمثيل ويرسخ العلاقة بين الناخب وممثله ويكفل ايصال خيارات الشعب وتطلعاته، فالاهم قبولنا بنتائج هذه الانتخابات، واحترامنا للارادة الشعبية.

كما ان استقلال السلطة القضائية يكرس العدالة، وهي مناخ يشكل ملاذا لكل صاحب حق، ويوفر انتظاما عاما لجميع مرافق الدولة، وليس فقط للفصل بين المتقاضين، فالايادي البيضاء سمة العدل، والعدل أساس الملك.

وإن المسؤولية تحتم علينا، تشجيع الطاقات الشابة، للانخراط في مؤسسات القطاع العام، فنمنع ترهله، ويتيح لنا الوصول الى ادارة أكثر كفاية وشبابا. مع اعتمادنا على حسن الاختبار، وتعزيز لهيئات الرقابة، فيكافأ المستحق، ويصوّب المقصّر، ويعزل الفاسد.

أيها السادة،

ان تبديد هواجس الشابات والشبان، يكون ببناء وطن يفتخرون بالانتماء اليه، لينهض بقدراتهم، وخبراتهم، ومشاركتهم في ايجاد الحلول. ولندعهم هم، الذين قاوموا الاحتلال والارهاب، وانتفضوا من أجل الاستقلال، يرشدونا حيث أخفقنا، فهم المستقبل، ولهم الغد، وهم من أثخنتهم الجروح فصقلتهم، وكان منهم قرابين معوقون، ينبغي تأمين حقوقهم ورعايتهم وفقا للقوانين.

هذا من دون أن تغيب عن اهتمامنا، سياسة تربوية اصلاحية، تتناول مدارسنا والجامعات، وتعيد اليها تميزها في هذه المنطقة.

ان جناح لبنان الثاني، يلتفت الينا اليوم، يحدوه الامل في أن يرى وطنه الأم، وقد تعملق من جديد. من هنا، علينا الاعتراف بحقوق المغتربين، والمضي قدما في الاجراءات الآيلة الى تعزيز التصاقهم وتداخلهم بالوطن، والاستعانة بقدراتهم وتوظيفها، حتى لا يبقوا في غربة عن الوطن. انهم الأحق بالجنسية اللبنانية من الذين حصلوا عليها من دون وجه حق.

ان الخروج من حالة الركود، وتفعيل الدورة الاقتصادية بحاجة الى استقرار أمني وسياسي والى رعاية الدولة، تشجيعا ودفعا لعملية الانتاج التنافسي. فجذب الاستثمارات، وتأمين بيئة صديقة لها، يؤديان الى محاربة البطالة ومحاصرة الهجرة.

هذاالامر يقودنا الى حتمية الاهتمام باقتصادنا المنتج صناعيا زراعيا وخدماتيا. كما تعميم الثقافة البيئية، وابراز الأوجه السياحية لهذا البلد.

ان الانماء المتوازن، ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام، ونرى في تطبيق اللامركزية الادارية الموسعة، عنصرا مهما لهذا الانماء، لرفع الغبن عنه، واصلاح التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بين المناطق. ولا بد لنا من ايلاء موضوع استكمال عودة المهجرين، كل اهتمام لطي هذا الملف بصورة نهائية.

أيها لاسادة،

ان التزامنا مواثيق الامم المتحدة، واحترامنا لقراراتها، يعود الى قناعتنا الراسخة بالشرعية الدولية المستمدة من مبادىء الحق والعدالة، واذ نؤكد مساهمتنا في قيام المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وما تلا من اغتيالات، فذلك تبيان للحق واحقاق للعدالة.

ان نشوء المقاومة كان حاجة في ظل تفكك الدولة، واستمرارها كان في التفاف الشعب حولها، وفي احتضان الدولة كيانا وجيشا لها، ونجاحها في اخراج المحتل يعود الى بسالة رجالها وعظمة شهدائها. إلا أن بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال، ومواصلة العدو تهديداته وخروقاته للسيادة، يحتم علينا استراتيجية دفاعية تحمي الوطن، متلازما مع حوار هادئ، للاستفادة من طاقات المقاومة، خدمة لهذه الاستراتيجية. فلا تُستهلك انجازاتها في صراعات داخلية، ونحفظ بالتالي قيمها وموقعها الوطني. يتزامن هذا اليوم مع الذكرى الوطنية للتحرير والنصر، فلتكن حافزا لنا، لمزيد من الوعي لما يتربص بنا، ولتجديد تمسكنا بالحرية والديموقراطية، التي ضحينا من اجلهما لنصون الوطن.

وفي هذا السياق، يأتي العمل الدؤوب، لاطلاق الاسرى والمعتقلين، وكشف مصير المفقودين، واستعادة ابنائنا الذين لجأوا الى اسرائيل، فحضن الوطن يتسع للجميع.

لقد حرص لبنان، ويحرص دائما، على تقوية الاواصر التي تربطه باشقائه العرب. من هنا، فاننا ننظر بشدة الى اخوّة في العلاقات بين لبنان وسوريا، ضمن الاحترام المتبادل لسيادة وحدود كل بلد، وعلاقات ديبلوماسية تعود بالخير على كل منهما.

العبرة هي في حسن المتابعة لعلاقات مميزة وندية، خالية من اي شوائب اعترتها سابقا، بحيث نعمل على الاستفادة من تجارب الماضي، وتداركها، تأمينا لمصالح ورخاء وامن البلدين الشقيقين.

ايها السادة،

ان الدولة لا يمكنها التغاضي عن أي عبث بالامن والسلم، ولن تسمح بأي حال من الاحوال ان يُستعمل البعض وقودا للارهاب، وان يُتخذ من قدسية القضية الفلسطينية ذريعة للتسلح، لتصبح هذه المسألة مصدرا للاخلال بالامن، كما حصل منذ عام، عندما اعتدي على الجيش اللبناني. فلنتضافر لمعالجة تداعيات ما حصل، فنعيد وصل ما انقطع لبلسمة الجروح واعادة الاعمار. لقد اعتصرنا الالم فلنعقد الامل. ان البندقية تكون فقط في اتجاه العدو، ولن نسمح بأن يكون لها وجهة اخرى. ان رفضنا القاطع للتوطين، لا يعني رفضا لاستضافة الاخوة الفلسطينيين والاهتمام بحقوقهم الانسانية، بل تأسيسا لحق العودة حتى قيام الدولة القابلة للحياة.

ولهذا، فان لبنان يشدد على ما ورد في المبادرة العربية التي انطلقت من عاصمته بيروت عام 2002.

لقد كسبت القوى المسلحة، وفي طليعتها الجيش، ثقة الشعب اللبناني طوال السنوات الاخيرة، لتحقيقها انجازات مهمة وتاريخية، من الحفاظ على الديموقراطية والسلم الاهلي، وانتشارها في الجنوب العزيز، بعد اكثر من ثلاثة عقود من الزمن، والتصدي للعدو والارهاب، وقد دفعت غاليا خيرة ابنائها.
الا ان الاحداث الامنية الاخيرة خلفت شعورا بأن القوى المسلحة لم تقم بالاداء الكامل المأمول منها لذلك، فالحفاظ على الحد الادنى من الوفاق، وبالتالي توفير الغطاء السياسي المطلوب يساهمان في تدارك الامر مستقبلا. بالاضافة الى تعزيز موقعها المعنوي على المستوى الوطني، وتجهيزها، وتشجيع الشباب المثقف الواعد للانضواء تحت راياتها.

ايها السادة،

في هذه المناسبة، اتوجه بالشكر الى جامعة الدول العربية، ومعالي امينها العام، لاحتضانها الازمة التي عصفت بالوطن، ولجهودها المثمرة في بلورة الحل المناسب. واتقدم، باسم اللبنانيين، وباسمي، بالعرفان لدولة قطر، وسمو اميرها، ودولة رئيس وزرائها، واللجنة الوزارية العربية، لما بذلوه من جهد صادق، والتزام قومي في اطلاق الحوار الوطني، واستضافتها له وانجاحه.

الشكر ايضاً للدول الشقيقة والصديقة التي ساعدت الوطن على تجاوز المحن، وتلك التي تشارك في عداد القوات الدولية المنتشرة في الجنوب، تطبيقاً للقرار 1701، على ادائها المميز، والمتكامل مع الجيش اللبناني لحفظ الامن، وحري بنا ان نسجل اهتمامها بالنواحي الانمائية والاجتماعية، في المناطق التي تنتشر فيها، والصدى الطيب الذي تلقاه لدى المواطنين.

ايها اللبنانيات واللبنانيون،

ينتظرنا الكثير الكثير، فقسمي هذا التزام عليّ، كما ارادتكم هي التزام ايضاً، لا نغرق في الوعود، بل نقارب الواقع وميادينه المختلفة بامكاناتنا، واستثمار دعم الاشقاء والاصدقاء لنجتاز الصعاب، فلنتحد ونتضامن ونسر معاً نحو مصالحة راسخة، لزرع الأمل لدى ابنائنا، ونطلق مبادرات رائدة، ابداعية شجاعة، لتحقيق ذلك، ونعمل لبناء الدولة المدنية، القادرة، المرتكزة على احترام الحريات العامة، والمعتقد، والتعبير. لقد دفعنا غالياً ثمن وحدتنا الوطنية، فلنحافظ عليها معاً، يداً بيد، فالله مع الجماعة.

عاش لبنان".

المصدر:
النهار

خبر عاجل