تشاركَ وأمير قطر في استخدام الفعل الماضي عن المقاومة
والمضارع عن الدولة والاستراتيجية الدفاعيّة
سليمان رجل "ما بعد 2006".. وذو النفَس الإصلاحي
خلال الساعات الماضية، كُتب الكثير وقيل أكثر حول خطاب قسم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، في ظل ما يشبه الإجماع على الإشادة بهذا الخطاب شكلاً ومضموناً، وفي ظل ملاحظة مستوى الثقافة السياسية، ثقافة الكيان المتضمّنة فيه.
غير أن من بين العناوين الكثيرة التي تستحقّ الخوض فيها، عنواناً رئيسياً "يحتوي" مجمل العناوين أي أنه يجعل سائر العناوين متفرّعة عن عنوان مركزي هو "الدولة".
بعد "إتفاق الدوحة": "كانت المقاومة"
"الدولة" في كل مجال، كانت الحاضر الأكبر في خطاب القسم.
ثبّت الرئيس سليمان إتفاق الطائف كمرجعية لبناء الدولة. لكنه إنطلق من "إتفاق الدوحة" الذي هو بمثابة "ملحق" باتفاق الطائف لـ"يترجم" ما ورد فيه بدقّة ويطوّره، أو ليعيّن وجهة تطويره.
يتحدث "إتفاق الدوحة" بوضوح عن "تعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها"، وعن "حصرية السلطة الأمنية والعسكرية في يد الدولة". ولا يشير في أي فقرة من فقراته الى شيء إسمه "المقاومة" أو "سلاح المقاومة".
إنطلاقاً من "إتفاق الدوحة"، تحدّث الرئيس عن "المقاومة" بصيغة الماضي، واستخدم فعل "كان" الماضي.. الناقص. قال إن نشوء المقاومة "كان" حاجة في ظلّ تفكّك الدولة. وقال إنّ استمرارها "كان" في إلتفاف الشعب حولها وفي إحتضان الدولة كياناً وجيشاً لها. أعاد سليمان بكلماته هذه الاعتبار لـ"ظرف" نشوء المقاومة أي تفكّك الدولة، ولفت الى المعطيات التي جعلت استمرار المقاومة ممكناً أي الشعب والدولة والجيش. لكنه عندما انتقل الى المستقبل، لم يقُل إن استمرار المقاومة حاجة أو ضرورة، ولم يقُل إن بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال ومواصلة العدو لتهديداته وخروقه للسيادة يحتّمان استمرار المقاومة، بل قال إنهما ـ بقاء الاحتلال ومواصلة العدوّ لاعتداءاته ـ يحتّمان "إستراتيجية دفاعية" تحمي الوطن متلازمة مع حوار هادئ للاستفادة من "طاقات المقاومة" خدمةً لهذه الاستراتيجية.
الاستراتيجية الدفاعية لـ"الدولة"
"المقاومة" في خطاب القسم "فعلٌ" ماض.. و"الاستراتيجية الدفاعية" للدولة فعلٌ مضارع (أي مستقبلي). وبهذا المعنى، فإن سليمان، بمرجعية إتفاق الطائف وتأسيساً على "إتفاق الدوحة"، إنما يعلنُ الانتقال الى مرحلة "ما بعد العمل المقاوم"، وهي المرحلة التي كان يُفترض أن يكون إتفاق بشأنها منذ الـ2006 على الأقل، بالعلاقة مع القرار 1701 الذي لم يأتِ الرئيس الجديد على ذكره عبثاً. إنه يعلن الانتقال من "المقاومة" من خارج الدولة الى "الاستراتيجية الدفاعية" التي تستفيد من "طاقات المقاومة".
أمير قطر يعبّر عن موقف "النظام العربي"
واللافت في هذا الإطار أن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي وجّه خطاباً الى اللبنانيين مباشرةً بعد خطاب القسم، قال كلاماً مشابهاً. فهو قال إنه رأى شجاعة المقاومة حينما "كانت" المقاومة ضرورية، معرباً عن سعادتِه في أن يرى شجاعة الحكمة عندما "أصبحت" الحكمة لازمة.
المقاومة "كانت" والحكمة "أصبحت". والأمير ـ على ما يبدو ـ لا يميّز بين "المقاومة" و"الحكمة" بالحديث عنهما في صيغة الماضي للأولى والحاضر للثانية، بل هو يذهب الى حد التلميح الى أن ليس من "الحكمة" أن تكون "مقاومة" في هذه المرحلة.
اللافت إذاً، أن أمير قطر الذي رعى "إتفاق الدوحة" بتفويض عربي، إنما عبّر في ما قاله عن موقف "النظام العربي" من "المقاومة" لصالح "الدولة". وما لم يكُن محسوماً في "إتفاق الدوحة" بالنسبة الى البعض، حسمه الشيخ حمد الذي أبرز أين الماضي وأين الحاضر والمستقبل.
إستراتيجية السلام العربية مظلّة الاستراتيجية الدفاعية
والكلام عن "النظام العربي" هذه المرة يكتسب "معنى" مضافاً. ذلك أنه كلامٌ عن إنجاز عربي مشترك متحقّق هو "إتفاق الدوحة".. بل هو كلامٌ عن أول إنجاز عربي منذ فترة طويلة. وهذا ما يُفيد أن "النظام العربي الجديد" الذي أعلنت قمّة الرياض 2007 إنطلاقته، أخذ "جرعة" فعلية مع "إتفاق الدوحة" اللبناني، ما يؤشّر الى أن هذا "النظام العربي" يجتاز آخر مراحل الانعتاق من "بقايا النظام القديم". وعلى أي حال لم يأتِ الرئيس ميشال سليمان على ذكر مبادرة السلام العربية، أي الاستراتيجية العربية، اعتباطاً. فهي التتمة الطبيعية لكلامه عن "الاستراتيجية الدفاعية". وهكذا تغدو "الاستراتيجية الدفاعية" في خطاب سليمان عنواناً للالتزام بالدولة من ناحية وعنواناً للالتزام بالاستراتيجية العربية من ناحية ثانية. ولذلك يصح القول ان الرئيس المنتخب نطق في خطابه باسم الدولة ومصالحها وباسم "النظام العربي" قيد التبلور في آن… وهنا أهمية ما قاله.
الطائف والدولة المدنية
على ان ثمة نقطة بارزة في خطاب القسم، تُدرَج ضمن العنوان المركزي: الدولة
أعلن ميشال سليمان "العمل على بناء الدولة المدنية القادرة". وفي هذا المجال، لا بد من القول إن الرئيس الجديد لا يكتفي بالاشارة الى اتفاق الطائف كمرجعية ميثاقية ودستورية، بل هو يعكس وعياً يجدر التنويه به لحقيقة ان اتفاق الطائف مرجعية تحديثية واصلاحية أيضاً.. وأساساً.
يعلن الرئيس اذاً ان الطائف يتضمن آليات أو ديناميات الانتقال الى الدولة المدنية، مؤكداً بذلك ان ثمة وعياً مشوهاً للطائف فُرض على اللبنانيين، ذهب اصحابه الى ادعاء ان الطائف يجعل من الدولة "فيدرالية طائفية". غير ان سليمان يطرح في هذا المجال هدفاً واضحا هو الدولة المدنية التي تتعامل مع اللبنانيين كمواطنين احرار وتحفظ حقوق الطوائف في آن، اي تحفظ قواعد الشراكة الوطنية. واذا كانت الكنيسة المارونية اطلقت فكرة الدولة المدنية في المقررات الصادرة عن المجمع البطريركي في حزيران 2006، فان "تيار الدولة المدنية" واسع جدا في البلاد. الدولة المدنية هي هدف مركزي من صلب الطائف، بها يتم "تجاوز" الطائفية وخلق دولة بإدارة حديثة.
سليمان الاصلاحي
تكراراً، ان كل فقرة من فقرات خطاب القسم تستحق التنويه. بيد ان التركيز على الجانبين الآنفين: الانتقال الى "ما بعد المقاومة" نحو "الاستراتيجية الدفاعية" للدولة، والدولة المدنية، يهدف الى ابراز أهم "وجهين" للرئيس الجديد.
الأول هو انه رجل الدولة لا "المنسق" بين دولتَين.
والثاني هو انه رجل الدولة الإصلاحيّ الذي يذكّر بـ"الإصلاح الشهابيّ".
كان الله في عون العهد الجديد.