المطالبة بإقرار الاصلاحات المهمة في مشروع “الهيئة الوطنية”

لأن تقسيم الدوائر لا يحقّق وحده صحة التمثيل ونزاهة الانتخابات
المطالبة بإقرار الاصلاحات المهمة في مشروع "الهيئة الوطنية"

إذا كان الاتفاق قد تم على تقسيم الدوائر الانتخابية على اساس القضاء يؤدي الى نزع ما امكن من مقاعد نيابية تخص المسيحيين من اصوات الناخبين غير المسيحيين، وعدم التمكن حتى الآن من نزعها بعضها الآخر بالابقاء على اقضية مندمجة باقضية في بعض المحافظات، وبعدم نقل مقاعد نيابية للموارنة من دوائر حيث عدد الناخبين الموارنة فيها اقل منهم في دوائر اخرى، فان قانون الانتخاب ليس بالاتفاق على هذا التقسيم فقط، بل بالاتفاق على الاصلاحات والاجراءات الواجب اتخاذها لتأمين حرية الناخب وجعل الانتخابات حرة ونزيهة. وقد جاء مشروع قانون "الهيئة الوطنية" برئاسة فؤاد بطرس على ذكرها، وقد تبناه النائبان تويني ومخيبر وهو ما ينبغي على الحكومة ومن ثم على اللجان النيابية المختصة درسه وعلى مجلس النواب اقراره كي يكون للبنان قانون انتخاب عصري يعمل به في كل عهد ولا يكون لعهد واحد او لمرة واحدة.

لقد تضمن مشروع قانون "الهيئة الوطنية" اصلاحات عدة ينبغي درسها واقرار الضروري والملح منها تحقيقا للتمثيل السياسي الصحيح وللحؤول دون خطر الطغيان العددي لاي مجموعة من المجموعات اللبنانية على اخرى، ما قد يؤدي الى تهميش دور اي منها في الحياة العامة وذلك انطلاقا من ان ميثاق العيش المشترك يجب ان يعني مشاركة جميع اللبنانيين في صنع القرار السياسي.

ومن الاصلاحات التي تضمنها المشروع:

1 – في من يجوز له ان يكون ناخبا او مرشحا.

2 – انشاء هيئة مستقلة للاشراف على الانتخابات.

3 – نظام الاقتراع وعدد النواب والدوائر الانتخابية.

4 – الاعمال الانتخابية التحضيرية التي تتناول القوائم الانتخابية والدعوة للانتخابات وتقديم طلبات الترشيح.

5 – الانفاق الانتخابي والدعاية الانتخابية.

6 – اقتراع المقيمين على الاراضي اللبنانية، واقتراع غير المقيمين وتخفيض سن الاقتراع من 21 الى 18 سنة.

ويرى نواب وسياسيون وجوب البحث جديا في الهيئة المستقلة للانتخابات وذلك تأمينا لحسن تطبيق مبدأ الحياد والنزاهة في اجراء الانتخابات وابعاد العملية الانتخابية عن نفوذ السلطة السياسية، اذ لا بديل عن هذه الهيئة سوى حكومة حيادية من مستقلين لا مرشحين بين اعضائها.

وينبغي البحث جديا ايضا في تمكين المواطنين اللبنانيين غير المقيمين على الاراضي اللبنانية من الاقتراع وذلك تكريسا لحق دستوري ناشئ وقائم لا يمكن ان تحول تقنيات ما دون تطبيقه اذ على المواطنين الذين لا يزالون يحتفظون بجنسيتهم اللبنانية والذين تتوفر فيهم شروط الناخب ووردت اسماؤهم في القوائم الانتخابية، ان يقترعوا في مكان وجودهم خارج لبنان، وهو ما تكرسه اكثر من 88 دولة عضو في الامم المتحدة.

ولا بد للجان النيابية المعنية بقانون الانتخابات النيابية ان تستمع الى آراء وملاحظات اصحاب الخبرة والاختصاص قبل اقراره كي يأتي خاليا من النواقص والشوائب. فمدير عام وزارة الداخلية السابق عطالله غشام لديه ملاحظات منها ما يتناول موضوع حرمان العسكريين ومن هم في حكمهم على اختلاف الرتب من حق المشاركة في الاقتراع، وهذا يتناقض مع النصوص المتعلقة بالزامية القيد في القوائم الانتخابية حيث اسماء العسكريين فيها، اضف ان مجلس شورى الدولة اعتبر في عدد من قراراته ان ثبوت الاقتراع للعسكريين لا يشكل مخالفة لاصول الانتخاب لان لكل مواطن مسجل في لائحة الناخبين الحق في الاقتراع ومن بينهم العسكريون. ومنها ما يتعلق بحرمان رئيس البلدية ونائبه والمختار من الترشح للانتخابات النيابية الا بعد مرور سنتين على انتهاء ولايتهم او استقالتهم فان هاذ الموضوع اثار في حقبة جدلا واسعا ونزاعا ادى الى تقديم مراجعات طعن في شأنها الى مجلس شورى الدولة والمجلس الدستوري حيث رأيا ان الترشيح للانتخابات هو حق مدني ودستوري وانه لا يجوز للمشترع ان يضع موانع وقيودا على ممارسة حق الترشيح للانتخابات الا في الحدود الضيقة التي تمنع من شغل بعض الوظائف العامة من استغلالها لاغراض انتخابية.
>
وثمة جدل حول حرمان الناخب من الاقتراع بسبب عدم دخوله الغرفة السرية، فقد اوجب القانون على رئيس القلم ان يتأكد من ان الناخب اختلى بنفسه في المعزل تحت طائلة منعه من الاقتراع وان يمنع الناخب من الادلاء بصوته اذا لم يدخل هذه الغرفة، في حين ان المجلس الدستوري اعتبر ان المعزل قد اقيم في كل قلم اقتراع حفاظا على السرية، الا ان هذه السرية هي لضمان سلامة الارادة من الانحراف، وان هذه الحرية تتعلق بالعامل الشخصي. فمن كانت لديه المناعة الكافية والكفيلة بمقاومة الضغط والاكراه ويمتلك القدرة على ممارسة اختياره بملء حريته، فلا يكون اقتراعه مشوبا باي عيب ان هو عزف طوعا عن دخول المعزل. كما اعتبر مجلس شورى الدولة ان مجرد عدم دخول الناخب وراء المعزل لا يشكل عيبا مبطلا لصدقية الاقتراع، وانه لا يكفي الادلاء بعدم تقيد الناخب بموجب استعمال المعزل لاعتبار ان العملية الانتخابية باطلة، وانما ينبغي الادلاء ايضا بضغوط مورست على الناخب بغية حمله على عدم الدخول الى المعزل.

ويتساءل المدير العام السابق لوزارة الداخلية حول انشاء هيئة مستقلة للانتخابات النيابية، هل يعني انشاؤها ان الانتخابات البلدية والاختيارية تبقى من اختصاص وزارة الداخلية، وماذا يعني ايضا وجود اداريين معنيين بعمل اداري ولوجستي وقانوني واحد مثل اعداد قوائم الناخبين وتدريب الموظفين ولجان القيد. وان انشاء هذه الهيئة بصلاحيات واسعة تجعلها تحل محل وزارة الداخلية، وقد جمعت صلاحياتها بين الصفة القضائية والصفة التنفيذية وما قد ينتج عن ذلك من تناقض على المستويين القضائي والاداري. فمن صلاحيات هذه الهيئة مثلا تعيين لجان القيد والفرز والاشراف على اعمالها، علما ان وزارة الداخلية والبلديات ليس لها صلاحيات للتدخل في عمل لجان القيد التي تعتبر هيئة قضائية مستقلة في اعمالها ولا يجوز لهيئة تنفيذية ان تتدخل وتشرف على اعمالها.

وفي ما يتعلق باقتراع غير المقيمين على الاراضي اللبنانية، فانه مطلوب من الراغبين منهم في الاقتراع تسجيل اسمائهم في السفارات والقنصليات التي تعمد الى وضع قوائم باسمائهم وترسلها الى الجهة المعنية في لبنان للتدقيق فيها علما ان قانون الانتخاب ينص على الزامية القيد لجميع الناخبين مقيمين ومغتربين، اضف ان الامكانات قد لا تكون متوافرة لدى السفارات والقنصليات في الخارج لتأمين حق الاقتراع للبنانيين المقيمين في الخارج لافتقارها الى العناصر البشرية الملازمة، وهل هذا الاقتراع يتم في الانتخابات الفرعية ايضا؟

ولفت المدير السابق للداخلية الى الصعوبات التي تواجه اعلان النتائج اذا ما تقرر نقل عملية الفرز التي كانت تجرى داخل اقلام الاقتراع الى لجان القيد التي لها صلاحيات قضائية ورقابية فقط، وليست صلاحيات تنفيذية، ما يستدعي التساؤل عن امكانية هذه اللجان لتنفيذ المهمة المطلوبة منها وكم من الوقت سيستغرق ذلك، خاصة اذا ظلت عملية الفرز تجري يدويا وليس بواسطة حاسوب مبرمج وشاشة كبيرة لعرض النتائج، وان تكون عملية المكننة كاملة بحيث تشمل بقوائم الناخبين واعتماد بطاقة انتخابية ممغنطة يجري الاقتراع بواسطتها ويتم الحصول على النتائج بصورة فورية، وان يجري ربط مراكز الاقتراع ببعضها وبمراكز لجان القيد بواسطة شبكة ا تصالات خاصة.

ويبقى من جهة اخرى بحسب اصحاب الخبرة احتمال حصول تزوير انتخابي، ووجوب اعتماد سبل مكافحته، اذ ان تقنيات التزوير التي تسبق العملية الانتخابية تبدأ بالتمييز في تقسيم الدوائر بين منطقة واخرى، وعدم اعتماد البطاقة الانتخابية، والاستعاضة عنها باخراج قيد عدا الاخطاء في قوائم الناخبين، واجراء تشكيلات وتعيينات لمصلحة المرشحين الموالين للسلطة او المرغوب فيهم. وبالتدخل في تأليف اللوائح، وبعدم تكافؤ الفرص في استخدام وسائل الاعلام ودور المال في الانتخابات، ونشر استطلاعات الرأي في الاسبوع الاخير من نهاية الحملة الانتخابية، وارتكاب مخالفات في تأليف هيئات اقلام الاقتراع ووضع الاقلام بدون معازل ومخالفة استعماله، ووجود اشخاص في القلم غير مرخص لهم بالدخول، وباختيار القادة الامنيين ورؤساء الاقلام واستغلال العسكريين وافراد عائلاتهم، عدا المخالفات التي قد يرتكبها رئيس القلم، وغياب مندوبي المرشحين لاسباب امنية او غير امنية وطريقة انتقاء اماكن وضع الصناديق واقلام الاقتراع، وافتعال الحوادث المسلحة والاخلال بالامن في قلم الاقتراع عندما تكون الاصوات فيه ليست في مصلحة مرشحين معينين، وان اهم ما يواجهه الناخب والمرشح، هو استمرار بقاء المربعات الامنية، مما يحول دون تمكين المرشحين من دخولها والقيام بجولاتهم الانتخابية واقامة المهرجانات وعدم تمكنهم ايضا حتى من تعيين مندوبين على اقلام الاقتراع وخضوع الناخب كما المرشح للترهيب والضغط. فما لم يتم مكافحة وسائل الغش والتزوير والتلاعب في الانتخابات، فانها لن تكون حرة ونزيهة، وليس تقسيم الدوائر وحده كافياً لتحقيق ذلك وتأمين صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل