#dfp #adsense

ميشال سليمان ليس ملاكاً

حجم الخط

ميشال سليمان ليس ملاكاً

ميشال سليمان قائد الجيش الذي انتخبه مجلس النواب رئيساً قبل يومين بما يشبه الإجماع وفي ظل رعاية عربية واقليمية ودولية غير مسبوقة، ليس ملاكاً. فهو بشري مثلنا. وهذا ما يحتاج اليه اللبنانيون على اختلاف شعوبهم، اذ ملّوا حكم ليس الملائكة فحسب بل الآلهة والقديسين والانبياء والاولياء من كل الطوائف والمذاهب. وهو ابن عائلة عادية مثلنا (والـ "نا" هنا تعود الى الناس وليس الى اي شيء آخر) جاهد ربّها من اجل تعليم اولاده وتنشئتهم على مبادئ صحيحة بحيث يساعدهم ذلك على تأمين حياة لهم على هذه الارض فيها كل الكرامة واحترام الذات. وهذا ما تمناه اللبنانيون في اعماقهم دوماً لانهم خبروا عن قرب حكم الاقطاع السياسي والطائفي والمالي والعسكري والحزبي والديني وهم يختبرون اليوم الاقطاع المذهبي. علما ان التعميم لا يجوز، ذلك ان بعض الاقطاع المشار اليه حاول تحديث اقطاعيته وزعامته فنجح حيناً وفشل حيناً آخر. وعلماً ايضاً انه انجب في مراحل سابقة زعماء للبنان لا يعتقد احد انه قد يأتي امثال لهم وإن داخل السلالات الاقطاعية نفسها. وهو، اي ميشال سليمان، انسان له عواطف وميول وطموحات يحدد حجمها حجم الموقع الذي هو فيه، واهميته. وليس عيباً ان يكون له كل ذلك. لكن العيب هو ان يحاول الانسان الطامح استغلال موقعه وامكانات هذا الموقع لتحقيق طموحاته ضارباً عرض الحائط بكل القواعد الاخلاقية. وهذا ما رفض سليمان ان يقوم به وخصوصاً بعدما شغرت سدة رئاسة الجمهورية قبل نحو ستة اشهر، لا بل قبل ذلك عندما تسلم كرة النار بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 رغم الازمة الكبيرة التي نشبت وكادت ان تقضي على البلاد خلال اكثر من ثلاث سنوات وعندما حال بعون من الله واتزان مقيم عنده وحكمة متأصلة وتواضع غير مصطنع، دون عودة البلاد الى الحرب رغم انها وقفت قبل مدة قصيرة على شفيرها او بالاحرى اقتربت من لهيبها. والذين يعرفون العماد سليمان يعرفون هذه الحقيقة. اي يعرفون ان رئاسة الجمهورية "عنّت" على باله وانه فكّر فيها. ويعرفون ان اصحاب المصالح المتنوعة من داخلية وخارجية وخاصة حاولوا تحويل "عنّة البال" هذه نقطة ضعف لديه بغية استغلالها في الصراعات الدائرة في الداخل وبواسطته وعليه. لكنهم يعرفون ايضاً انه قال "لا" اكثر من مرة وتحديداً منذ 14 شباط 2005 للجميع في الداخل والخارج عندما كان يرى ان ما يطلبونه يهدد وحدة المؤسسة العسكرية او وحدة البلاد والسلم الاهلي فيها. والـ"لا" هنا لا تعني الحكومة بمقدار ما تعني موقفاً مغلفاً بالموضوعية الوطنية والتهذيب. طبعاً قد يقول بعض من غير المتحمسين لرئاسة سليمان: اين كانت كلمة "لا" يوم كانت سوريا في لبنان؟ والرد على هؤلاء بسيط وهو من منهم جميعاً او على الاقل معظمهم قال "لا" يوم كانت ملائكة سوريا العسكرية والامنية في لبنان، ويوم كانت كلمتها لا ترد؟ علماً انه (اي سليمان) كان احياناً كثيرة يساهم في ترجمة لائه لقرارات سورية تخص لبنان الداخل او بالاحرى لقرارات لبنانية موحى بها سوريا ولكن بالبحث والمرونة والحوار. ولعل اقوى "لا" واكثرها اهمية كانت للاقتراح الذي قدمه له "معلمنا" شيخ الديموقراطيين في هذه البلاد غسان تويني في افتتاحية "النهار" باعلان نفسه رئيساً في ظل التوافق العام عليه (النظري طبعاً). وانطلق في لائه هذه من اقتناع صحيح بان الدعوة هي انقلاب بالمعنى العلمي للكلمة وبان الانقلابات لا تنجح في لبنان.

هل يتغير هذا الرئيس الجديد الزاهد والطامح في آن واحد؟

لا احد يعرف، لان العلم عند الله باقتناع الجميع. لكن التغيير بعد سن الستين التي بلغها سليمان يصبح صعباً الا اذا كانت بذوره كامنة في نفسه واحسن إخفاءها او تمويهها. وكثيرون لا يعتقدون ذلك، ونحن منهم.

هل ينجح الرئيس الجديد في حفظ وحدة البلاد كما نجح في حفظ وحدة المؤسسة العسكرية في اصعب الظروف؟

لا احد يعرف ايضاً. فالنجاح او الفشل يرتبط بالعوامل الاقليمية والدولية وبإرادة اللبنانيين على اختلاف شعوبهم. فعندما التقت هذه مع تلك اخيراً امكن التوصل الى "اتفاق الدوحة" وبدأ تطبيقه يوم الاحد الماضي بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. لكنها عندما تتناقض تقف البلاد على اعتاب حرب اهلية كما حصل في السابع من ايار الجاري او تقع فعلا في حرب اهلية وغير اهلية او حروب كما حصل بين 1975 و1990، فضلاً عن ان المؤسسة صورة عن الشعب الذي بوحدته يصنع الوحدة داخل الجيش ويعززها. في اي حال، يمكن التأكيد ان مهمة الرئيس سليمان ليست سهلة رغم نجاحه في وضع خطاب قسم تضمن بكثير من التوازن المواقف الاساسية لكل اطراف صراعات الداخل كما لكل اطراف صراعات الخارج بواسطة هؤلاء. لكن التوازن على الورق سهل، اما التوازن في الممارسة فصعب جداً. والنجاح فيه لا تكفيه شخصية مرنة وحكيمة وموضوعية، بل يحتاج معها الى فريق حكومي مؤمن بهذا التعاون، ومجلس نواب يترجم عملياً التعاون الذي وعد به رئيسه نبيه بري. كما يحتاج الى صدق اطراف الصراعات في الداخل والخارج.

في النهاية، نحن اي الناس البشر لا الآلهة ولا الزعامات المعصومة من دينية وسياسية وطائفية ومذهبية ولا الاقطاعات الديناصورية نتمنى نجاح العماد سليمان لانه ليس شيطاناً اذا لم يكن ملاكاً. علماً اننا اذا اتحدنا فنحن قادرون على مساعدته كثيراً خلافاً لاعتقاد كثيرين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل