معموديتك الثانية!
سيدي الرئيس،
الآن بدأت معموديتك الحقيقية. فمن حقول النار والدم في الميدان، وقد كان لك تاريخ حافل في حياتك العسكرية يشهد لها وعليها كل الذين عرفوك في الساعات الصعبة هادئاً ومتزناً تقيس الرصاص بميزان الذهب، الى معمودية السياسة وحنكة السلطة في رئاسة الجمهورية، حيث سيكون لك تاريخ حافل ايضا تعرف انت كم يحتاج من المشقة وربما من الآلام لكي يحفل في النهاية بما تريده انت، وقد أسمعتنا اياه في خطاب القسم، وبما يريده المواطن اللبناني المعذب في هذا البلد المتعوس الذي استمع جيدا ووسع آفاق الرجاء الى اكثر مما يستطيع ان يتحمل من أمل بعد هذه المسيرة الطويلة من اليأس.
ولا بد من ان تكون، سيدي الرئيس، قد لاحظت جيدا وانت تتلو خطاب القسم كيف كانت تتحرك الاكف وتتطاير الابتسامات. فلقد كنا مع ممثلي هذا الشعب في البرلمان أمام فريقين او بالاحرى فرقتين. واحدة حرصت على التصفيق في امكنة يغلب عليها الانشراح والحبور، بينما امتنعت الاخرى. اما الثانية فاخذت دورها في التصفيق ايضا بينما غرقت الاخرى في ما يشبه التعرّق!
لكنهم صفقوا جميعا للكلام الذي يعجبهم ويريحهم. ولانك الرئيس التوافقي حرصت على ان يكون خطاب القسم توافقيا ايضا، يخاطب الجميع ويتناول القضايا التي تهم الجميع.
لكن المسألة في عمقها وبعدها اننا كنا نقف امام رئيس يتلو خطابا لبداية عهد جديد سميته انت "عهد لبنان واللبنانيين"، بما يعني ان الكلام لم يكن موجها على قاعدة القسمة المتعادلة او المتوازنة بل على قاعدة الجمع والوحدة واستعادة لم الشمل في هذا البلد الذي تعمل السكانين على فرمه منذ ثلاثة عقود ونيف.
ولأن الجميع وجدوا في الخطاب ما يتلاءم مع هواجسهم ومطالبهم، لم يكن كثيرا ان يرى البعض، ونحن منهم، اننا امام خطاب تأسيسي يعكس فعلا طموح الشعب اللبناني الذي انهكته الحروب والانقسامات والازمات وبات في اشد التوق الى بداية مستقرة واضحة وصادقة وواعية وحكيمة تقود على طريق بنا ء وطن حقيقي ولو طال الطريق طبعاً.
معمودية النار من الجنوب الى نهر البارد، مرورا بالامتحانات الميدانية الصعبة في بيروت، قطعتها بجدارة ولكنك تعرف الآن جيدا انك تنتقل من ساحة القتال في الجبهات الى ساحة الادغال في السياسة حيث الامر يشبه "حروب العصابات" الى حد بعيد.
ولأن الاوطان لا تبنى على ركام، وثمة كثير من الركام يملأ الوطن وصدور اللبنانيين ايضا، تبدو مهماتك اكثر صعوبة وخصوصا عندما يتأمل المرء في أمرين:
❐ أولاً: الواقع الانشطاري المؤسف الذي لا يمكن ازالته من السيكولوجيا الاجتماعية للبنانيين في سهولة.
❐ ثانياً: دزينة العناوين التي طرحتها في خطابك اي: حماية الطائف – الاستراتيجيا الدفاعية ومسألة سلاح المقاومة – العلاقات مع سوريا – المحكمة الدولية – وضع الفلسطينيين ورفض التوطين – احترام قرارات الامم المتحدة – عودة المهجرين – الاهتمام بطموح الشباب – سلم التنمية اقتصادياً وزراعياً وسياحياً – اصلاح الادارة – اصلاح النظام، وهي عناوين تشكل منطلقا لورشة كبرى لا يمكن اعادة بناء البلاد من دونها.
سيدي الرئيس،
تعرف تماما ان انتخابك، بعد فرض فترة من الفراغ الرئاسي استمرت ستة اشهر، شكّل بالنسبة الى الدول العربية والاجنبية مناسبة فريدة وغير مسبوقة، وقد تحولت تظاهرة عربية ودولية كبرى لحماية الاتفاق الذي تم التوصل اليه واستطرادا حرصا على سحب لبنان من داخل تقاطع المصالح والصراعات الاقليمية والدولية التي جعلت منه ميدان معركة كادت ان تدمره.
وتعرف ايضا انه عند نقطة ما من انزلاق لبنان نحو الانهيار النهائي في أتون الحرب المذهبية، التي يمكن ان تشعل المنطقة العربية كلها والعالم الاسلامي ايضا، نزل "عقل الرحمن" على المتحاورين في الدوحة. نزل طبعا من وراء اسوار اقليمية ودولية، بما يعني ان لبنان حصل على فرصة لالتقاط الانفاس.
يقولون انه اتفاق. دعني يا فخامة الرئيس اتمسك بالقول انه فرصة ثمينة وفريدة. وان التحدي الكبير الذي تواجهه انت، وكذلك كل الذين شاهدوا الى اي جحيم يمكن ان ينتهي بنا الانقسام، التحدي هو ان نتمكن من جعل هذه الفرصة مدخلا الى حل نهائي يبني وطناً ولو من بوابة هذا الاتفاق الذي بدا كأنه ينظم الاقتتال على الحصص في بلد معلّق على الصليب.
لن يكون في وسعك وحدك طبعا ان تصنع قيامة لبنان. الامر يحتاج الى تعاون كل اللبنانيين والى صدقهم وايمانهم بأن هذا وطن يقدر كل ابنائه ان يحققوا فيه وعبره جوهر حياتهم.
كان خطاب قسمك وثيقة تأسيسية، لكن المهم ان نصنع تناغما بين مهندسي الورشة التي ستقوم بالتأسيس او حتى باعادة البناء، فليس سراً ان هناك من يحتفظ داخل "الوزرة" بالسكاكين الى جانب المسامير، وبعبوات البارود الى جانب اكياس الإسمنت.