اتفاق الطائف واتفاق الدوحة: لا ناسخ ولا منسوخ
يلتزم نص اتفاق الدوحة "مبادئ الدستور اللبناني واتفاق الطائف". هذا يعني أن اتفاق الدوحة يخضع من الناحية النظرية للمرجعية الدستورية التي يمثّلها اتفاق الطائف، في حين أن الجدوى العملية من اتفاق الدوحة تبقى مرهونة بقدرته على الخروج من النفق المظلم، المتمثّل بتعطيل المؤسسات الدستورية ثم تفريغها، والتنكيل برجالات الاستقلال الثاني ثم بذل كل جهد لإعاقة مسار الحقيقة والعدالة.
بيد أن نص اتفاق الدوحة يعتمد صيغة "من خارج" اتفاق الطائف لتجاوز دائرة التعطيل، وسحب صاعق التفجير، ولقطع الطريق أمام مشاريع تحصيل الحصص والمكاسب الفئوية والسياسية بقوة السلاح. هو يعتمد صيغة من خارج اتفاق الطائف، إنما يشدّد في الوقت عينه، على أن هذه الصيغة الإسعافية أو العلاجية، مهمتها تأهيل البلاد في أسرع وقت، للاحتكام مجدداً الى مرجعية اتفاق الطائف.
بهذا المعنى، لا يلبي اتفاق الدوحة طموح تلك الفئة التي جاهرت، بوسائط الإعلام الحربي، طيلة الأسبوعين الماضيين، بأن اتفاق الطائف قد خرّ صريعاً في شوارع بيروت، بقوة السلاح.
وقد جاءت الترجمة الميثاقية لاتفاق الدوحة، من خلال خطاب قسم رئيس الجمهورية الجديد، لتعيد تصويب الأمور على هذا النحو، من خلال تكريس "معادلة لا غالب ولا مغلوب". فإن لم يكن بالمستطاع، في الظروف الحالية وطنياً وعربياً وإقليمياً، طرح أو تطبيق شعار "محو آثار العدوان" الذي تعرّضت له مدينة بيروت وغيرها من المناطق، إلا أن الظروف عينها لا تسمح بالاسترسال بمنطق "جني ثمار الثورة". أولاً، لأن الثورة لم تحصل. الانقلاب بقي نصف انقلاب. العصيان لم يكن مدنياً. ثم أن منطق "كان يمكننا أن ندخل الى كل المناطق" لا يمكن الاحتكام إليه في السياسة. لا مكان في السياسة لمنطق "كان يمكنني أن أفعل كيت وكيت.. إنما امتنعت عن ذلك".
الواقع واقع، والافتراض افتراض، والسياسة هي فن الممكن، وفي أحسن الأحوال، توسيع لحدود الممكن ومداركه.
مع ذلك، فقد صار ضرورياً من الناحيتين المبدئية والعملية، أن تسارع القوى الاستقلالية اللبنانية، ومن خلال عناوين تلاقيها مع خطاب القسم، الى حيث ربط معادلة "لا غالب ولا مغلوب"، بالتأكيد على أن علاقة اتفاق الدوحة باتفاق الطائف ليست علاقة حذف أو شطب أو تبديل أو تعديل، إذ لا ناسخ ولا منسوخ، بين الاتفاقين. العلاقة محكومة بإطار محدد للغاية: ان تؤهل مفاعيل اتفاق الدوحة البلاد للاحتكام مجدداً الى مرجعية اتفاق الطائف.
فاتفاق الطائف، يلحظ في ما يتعلق بالقانون الانتخابي، ضرورة إعادة النظر بالتقسيمات الادارية، في حين ان اتفاق الدوحة لا يلحظ مثل هذه الضرورة، وان كان لا يلحظ أبداً، اعتماد قانون الستين بشكل مستديم ومستقر، وإنما بشكل استثنائي، ومن ضمن لعبة مقايضة تسووية، كان ملحاً من خلالها بذل كل التضحيات، تفادياً لتمادي الفتنة المذهبية، ولتجنيب البلاد مزيداً من الدمار، كما كان ملحاً تجميد الضغط الأمني والمسلح، بما يجعل هذا الضغط يرتد مأزقاً سياسياً على القائمين أو المحتفين به.
وإذا كان اتفاق الدوحة يعطي ثلثاً معطلاً لقوى المعارضة، وهامشاً لا يتجاوز العشر لحصة رئيس الجمهورية في الحكومة، فهذا لا يمكنه أن يستقر، لا كشرط ولا كعرف، تحصر في إطاره الديموقراطية التوافقية. وما زال الأمر في هذا الاطار في قيد المعارضة، وخطابها السياسي. ماذا لو هزمت هذه المعارضة في الانتخابات التشريعية المقبلة، ولم تتمكن قوى 14 آذار في المقابل من انتزاع أكثرية الثلثين. هل تتحصن الأقلية بالبرلمانية بالثلث الوزاري المعطل في كل الحالات؟ وماذا لو كانت النتيجة معاكسة، هل يتكرم المعارضون اليوم بمنح قوى 14 آذار الثلث المعطل؟
أما في ما يتعلق بـ"تعهد الأطراف بالامتناع عن، أو العودة الى استخدام السلاح أو العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية"، فإن هذه المعادلة تضمن بشكل رئيسي بقاء اتفاق الدوحة تحت سقف الطائف، حيث فشلت كل المراهنات على جعل اتفاق الدوحة اتفاق قاهرة جديداً يعطي مناطق بعينها الى تنظيم بعينه، أو يشرّع تمدّد هذه المناطق الخاضعة لهذا التنظيم. كما أن هذه المعادلة جدلية للغاية:
1 ـ هي أولاً تعترف بأن الطرف الذي استخدم السلاح قد حقق فعلاً مكاسب سياسية من خلال منحه "الثلث المعطّل" في صيغة اتفاق الدوحة.
2 ـ هي تسحب منه ثانياً الجزء الأكبر من مكاسبه السياسية بمجرّد التعهد بأنه لا يمكن أن يستخدم الواسطة الحربية نفسها في المستقبل.
3 ـ هي تذكره بأنه لم يعد أصلاً بحاجة الى "الثلث المعطّل" بعد احتكامه الى لغة السلاح.
هذا ما ينبغي تظهيره بشكل واف في المرحلة الراهنة. الدفاع عن اتفاق الطائف هو شرط لحسن تطبيق اتفاق الدوحة. وتقترن المهمتان، بالدرجة الأولى، بوجوب إخراج المعارضة من ثنائية "الانتصارية والمظلومية"، لأن هذه الثنائية ما عادت تنفع المعارضة.
يمكن إيراد مفردة الانتصار لقول أشياء في غاية التباين. يمكن مثلاً، أن ينتصر طرف على آخر، إذا ما استطاع أن يقنع هذا الطرف الآخر بوجهة نظره. هذا لم يحصل في الدوحة.
يمكن أن ينتصر طرف على آخر إذا استطاع أن يفرض وجهة نظره بقوة السلاح. هذا الأمر إن كان فعلاً ما حصل في الدوحة فلن يعود الاتفاق ميثاقياً، وقابلاً للعيش.
صحيح أن الاحتكام الى لغة السلاح قد قادنا مجدداً الى لغة التفاوض. بيد أن لغة التفاوض التي توصلت الى تفاهم محدّد ومسند عربياً ودولياً، لا يمكنها أن تتحول الى علاج ناجع للأزمة اللبنانية إلا إذا تجاوزت، بشكل نوعي، لغة السلاح التي أوجبتها، وإذا تجاوزت ثقافة الجمع بين الانتصارية والمظلومية في بنية ذهنية واحدة.