#adsense

بين العيش والتعايش

حجم الخط

بين العيش والتعايش

لم يكن ليضير السيدة آمال بيضون ونجلها المحامي هيثم حسن طبارة وما يربو على عشرين شهيدا من أبناء بيروت، ومثلهم عددا وبراءة من أبناء الجبل، أن يفرحوا، كباقي اللبنانيين، بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية.

لم يكن ليضير ايا من كل هؤلاء أن يشارك أبناءه أو أباه وأمه وأخوته، فرحة اللبنانيين بإفراج الرئيس نبيه بري عن مجلس النواب، وإن زعم أن "الاعتقال" لم يكن، وأن إخفاء مفتاح ساحة النجمة لم يحدث، وأن ما تدعيه أكثرية الناس في ذلك هو زعم "لعمر أبيك ليس بمزعم".

ولم يكن ليضير هؤلاء ان يسمعوا بآذانهم ادعاء "حزب الله" المتمادي أن ما جرى في نكبة الايام الستة لم يكن فتنة مذهبية، لو لم يكونوا هم الضحايا، وهم ابناء بيروت والجبل، و"صودف" انهم ذوو انتماء ديني لا يسمح لهم بأن يشملهم الامين العام بخطاباته الى "أشرف الناس" وبوعده بالنصر ثم بتجديده هذا الوعد بعد نقل سلاح المقاومة من شمال الليطاني الى العمق اللبناني، ومن مواجهة الاسرائيلي الى مواجهة كل اللبنانيين بعد تخوينهم كلا، واتهامهم، بلا استثناء ،بالعمالة لاسرائيل إلا من ثاب منهم الى ظلال "وثيقة التفاهم".

فمن سقطوا بـ"سلاح حزب الله "ورهطه في انقلابهم على قواعد الديموقراطية واصولها، كانوا، كما كل اللبنانيين، يأملون في أن ينتهي التمرد على الحوار الداخلي عند حدود تعطيله بمستوطنة الخيم وبعض محاولات جر البلاد الى فتنة مذهبية لجمت في محيط الجامعة العربية وقصقص وقبلهما عند ابواب السرايا يوم سقط التهديد باقتحامها أمام سد عربي معنوي حاسم.

وهؤلاء الذين سقطوا في بيوتهم في شوارع بيروت، وفي قرى الجبل، بنيران "الدفاع" عن لبنان، كانت ستسرهم أن تكون المصالحة الداخلية عنوان عهد الرئيس الجديد. لكن هؤلاء، لو أتيح لهم الكلام اليوم، ومن علياء السماء، لكانوا طالبوا بأن تكون المصالحة العتيدة أبعد من الجلوس الى طاولة مجلس الوزراء. فما حدث منذ محاولة "حزب الله" وحركة "أمل" إطاحة المحكمة ذات الطابع الدولي، إثر اغتيال النائب الشهيد جبران تويني، وبحجة توافر ملاحظات لهم عليها (لم تعرف حتى اليوم !؟) ينم عن اختلاف عميق في المفاهيم الوطنية، تكرس باللجوء الى تعطيل الحياة الديموقراطية بعصيان مسلح سمي مدنيا زورا وبهتانا، ثم بحرب مذهبية أشاء مفتعلوها الإقرار بواقعها هذا أم تحايلوا في تسميته.

هؤلاء، وكل اللبنانيين، ما كانوا لينتظروا من الرئيس الجديد أقل من العمل على عقد المصالحة، لكن هذه لا يمكن أن تكون الا إذا لامست عمق الامور. فما حدث أعاد الى أحاديث الابواب المغلقة نغمات اليأس مما يسمى عيشا مشتركاً، وإيقاعات المناقشة في شعارات اعتقد الجميع أنها انطوت في ثنايا النسيان، من الكونفيديرالية الى الفيديرالية. فما أظهرته التجربة السياسية والاجتماعية التي أرساها الحزب منذ زمن الوصاية، وبوضوح أكثر منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، هو أن المجتمع اللبناني في حال تعايش (مشترك ) وليس في عيش مشترك. فما يفهمه طرف رئيسي من القول بسلطة الدولة لا يسلم به طرف آخر. فقمع الشرطة مخالفة بناء لها قبول هنا بينما تفسر هناك بأنها اعتداء على "أشرف الناس"، وفي ذلك أبسط مثال. فكيف إذا امتدت المناقشة الى المعاندة في استمرار السلاح حكرا لفئة دون أخرى بحجة مقاومة اسرائيل، واتهام كل من يدعو الى البحث في البدائل بالعمالة لها ولاميركا؟

ولربما إذا ما استُفتي اللبنانيون اليوم، بعد خطاب السيد نصرالله أمس، لعبروا أكثر عن شعورهم بأنهم في حال تعايش وليسوا في عيش مشترك. وفي الاصل، لو أنهم في عيش مشترك لما سموه مشتركا لانه سيكون عند ذلك بغير حاجة الى توصيف.

فالأمين العام الأشهر يمد همومه الى أبعد من لبنان، بدليل خطابه الذي انطلق من المقاومة التي يريدها في العراق الى المقاومة في فلسطين (طبعا لم يأت على ذكر مقاومة سوريا المنشغلة في المفاوضات مع اسرائيل ). فيما هم اللبنانيين بغالبيتهم هو في كيفية إبعاد لبنان عن أن يكون ساحة لصراعات دولية – إقليمية كان دعا اليها مرشد الثورة الايرانية السيد علي خامنئي لتصفية حساباته مع واشنطن التي تشمل العراق و"حماس" والملف النووي الشهير.

ولربما تفادى الامين العام العيش المشترك الى التعايش إذ أقر بأن المقاومة – وعبر أمثلة تاريخية قدمها – ليست بالضرورة قرارا إجماعيا، وأسند ذلك بتأكيد فخاره بالخضوع لولاية الفقيه (في ايران) التي تتخطى الديني الى كل شؤون الحياة الخاصة والعامة، والسياسة، في حالته، في أول بنودها.

ولا يبدو الامين العام ممانعا أمام فكرة التعايش، وإن لم يقل ذلك. فهو أكد أن حزبه لا يريد أن يفرض على اللبنانيين أي نمط عيش لكنه لم يشرح للبنانيين أن ذلك لا يشمل المناطق التي يهيمن على عيشها، كما مدينة صور التي لم يتحمل حزبه وجود مفتيها السيد على الامين المختلف معه رؤية دينية وسياسية، فدهم وحركة "أمل "مقره الشرعي بقوة السلاح وفرض على المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى تعيين بديل منه.

خطاب القسم كان أكثر من برنامج عمل عهد. إنه أقرب الى نهج لبناء الوطن. ولربما كان اختيار يوم 25 أيار موعدا للانتخاب رمية مقصودة من رئيس المجلس لربط الذكرى المستجدة بذكرى تحرير الجنوب العام 2000. لكن خطاب السيد نصر الله أمس لا ينم عن تجاوب مع إرادة بناء الدولة والربط بين الموعدين. فهو رد على الاستراتيجية الوطنية للدفاع التي تبنى الرئيس الجديد العمل لوضعها، بتخطيها الى المطالبة باستراتيجية عربية "لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا" من دون أن يدلنا الى الدول العربية التي تريد قتال اسرائيل اليوم. وهو استبق أيضا "العيش المشترك" المتوقع بين الدولة والمقاومة في ظل استراتيجية دفاعية، بإشاعة الشكوك والظنون في إمكان لجوء الدولة الى "استخدام سلاحها لتصفية الحساب مع فريق سياسي معارض أو لمشاريع سياسية خارجية ولاستهداف المقاومة وسلاح المقاومة". وهو عزز ذلك بزعم أن مشاركة حزبه في اتفاق الدوحة كان "لانقاذ لبنان من فتنة بين الجيش والمقاومة" وبرر، سلفا، اللجوء في أي مستقبل الى استخدام السلاح مجددا في الداخل، بالحجة السابقة نفسها التي ساقها عند دخول مقاتليه "الآمنين " بيوت "العملاء" في بيروت والجبل أي السيدة بيضون ورفاقها الذين كانوا "مسلحين" حتى الأنياب بإيمانهم بالدولة وحماية الجيش لهم، وهي أن الطرف الآخر كان يتسلح "فلمن كان يعد السلاح "حسب سؤاله.

شهداء بيروت والجبل، الذين استكثر عليهم الشهادة وحصرها بمقاتليه ومسلحي حلفائه في المعارضة، ربما يسائلونه من علياء السماء : هل كان ما قتلهم به رهطه ورودا من المحبة، وإذا كان سلاح عناصره للمقاومة وحاد عن جادة هذه المقاومة (!؟)، فهل ان سلاح الذين امتدح تحالفهم معه، من حركة "أمل" الى آخر السلسلة، وعرض مهاراته في بيروت والجبل، اختُبر مرة في وجه اسرائيل، وتحديدا منذ العام 1986؟ وهل بات الكلاشنيكوف، موازيا للمضاد للطائرات والهاون وسيارات الدفع الرباعي المزودة أنظمة قتال شوارع واسلحة مدفعية متطورة؟ أم أن منطق الاستباق الذي برر به خطف الجنود الاسرائيليين في حرب تموز صالح للاستخدام ضد الداخل، على ضعف الحجة وركاكتها؟

التعايش بين سلاح الدولة وسلاح "حزب الله" خارج استراتيجية دفاعية وطنية لا يزيد من فرص التلاحم الداخلي، بل يقوي عودة الكلام على استحالته. واستنجاد الامين العام بإرث رفيق الحريري لتسويغ تعايش هونغ – كونغ وهانوي لا ينفع في محو حملات التخوين التي قادها مع حلفائه ضد الرئيس الشهيد كلما كان يقود البلاد خطوة على طريق التقدم والتبوؤ الدولي والتحسن الاقتصادي، كما لا تبرر حال القوة التي يعيشها قبول اللبنانيين اليوم ما تقبلوه بالأمس حين كان الاحتلال جاثما على غالب مناطق الجنوب والبقاع. فكيف إذا كان السيد يحتكر هناءة اللبنانيين وقلقهم فيقرر أن الصيف سيكون وادعا وهادئا أو يصمم على أن يكون غير ذلك، وتحديداً إذا ما صارت الامور محل نكاية بينه وبين ديفيد ولش وفق ما وشى به خطابه امس؟ والمصيبة إذا ما وعدنا ولش بصيف وادع. فهل يحوله السيد ساخناً؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل