بين الجنرال والجنرالات
ربما يكون "بروفيل" الرئيس ميشال سليمان وفّر له وللبنانيين اول مقاربة عفوية مع الرئيس الثالث الآتي من قيادة الجيش، بمفارقة كبيرة، هي انه اكثر الجنرالات هدوءا وميلا الى المسالمة والواقعية من سائر جنرالات السياسة. ومع ان معايير الواقع السياسي الراهن تفرض التريث في الحكم على ما لهذه الميزة لدى الرئيس سليمان من سلبيات وايجابيات، فلا يمكن التنكر في خلاصة اولية عليها بانها قدمت الرئيس – الجنرال الى اللبنانيين والعالم ضمن بشاعات الصراع السياسي والامني التي تفجرت قبل انتخابه، بأفضل ما ينطبق عليه "خطاب القسم" من مفاهيم ومبادئ وثوابت ديموقراطية تسعى إلى استعادة منطق الدولة بعيدا من اي تكبير لحجر الوعود الفضفاضة.
ومع ذلك فان الرئيس سليمان عاين لتوه، وقبل ان يجف مداد خطابه امام اوسع عراضة دولية وعربية عرفها رئيس في يوم انتخابه، مجموعة نماذج حارة تتحدى مفهومه للحكم سواء بفعل مقصود او بأثر موروث ومتتابع لأزمة لم تحط رحالها بعد على سكة المسار السياسي الديموقراطي.
ففي قلب الدار الماروني والمسيحي ارتدت تسوية الدوحة اشعالا للعداوات والخصومات والمنافسات والمعارك الاعلامية والسياسية والحزبية الشرسة بين محوري الصراع على نحو ينذر باستفاقة بالغة الخطورة للشعور بالتهميش وانحسار الوزن والحجم في التأثير على مجريات التسوية وما سيليها، باعتبار ان اتفاق الدوحة فرضه "صراع العمالقة" بين الطوائف الاسلامية، اقله من المنظور الطائفي الصرف. واذا كان الجانب المسيحي في هذه التسوية حظي واقعا بالمكسب الارفع من حيث استعادة الرئاسة وانتخاب الرئيس سليمان، فان المفارقة المذهلة في معارك الجنرالات المسيحيين هي انهم سهوا عن هذا المكسب الكبير لينصرفوا الى تصفية حسابات الربح والخسارة على المستوى الذاتي والحزبي محاولين تعويض انحسار الحجم والتأثير وضياع الطموحات باشعال معركة انتخابية مبكرة قبل سنة من موعد الانتخابات.
وفي المقلب السياسي الاوسع، جاء خطاب السيد حسن نصرالله في خطوطه "الاستراتيجية" والتفصيلية على حد سواء، ليفرض مفهومه غير القابل للجدل لاستراتيجية المقاومة، وعلى نحو يستبق كل حوار بما فيه الالزام الذي ترتبه تسوية الدوحة. وذلك يعني في اقل الاحتمالات تبسيطا ان طرح "وظيفة" سلاح الدولة وتحديدها صار نوعا من الهجوم الاستباقي الذي يرسمه خطا احمر اضافيا امام اي حوار يتصل بسلاح المقاومة. ومع ان التمييز بين سلاح مقاوم في مواجهة اسرائيل وسلاح مقاوم يستخدم في الداخل ويبدو نقطة قابلة للتوافق على رغم كل ما جرى في احداث 7 ايار وما تلاها، فان عودة السيد نصرالله الى نموذج الرئيس رفيق الحريري في التعايش بين دولة الاعمار ودولة المقاومة من ضمن رسم خطوط حمر واضحة لا تحتمل تأويلا، لن يفضي بطبيعة الحال الى حل للمأزق لان استعادة هذه التجربة ستحمل معها ايضا الهواجس المتصلة بظروفها وبعض وقائعها المتمادية حتى الآن. فلا يخفى على احد ان فلسفة التعايش بين "الدولتين" في ذلك الظرف انما كانت امرا واقعا مفروضا بقوة الوصاية السورية، واذا كان لتسوية الدوحة ان تستقيم وتصمد وتؤسس لحل ثابت يحترم اتفاق الطائف بكل مندرجاته، فمن غير الممكن التعامل مع واقع شديد الالتباس مضرج بدماء بمجرد العودة سنوات الى الوراء. وما أملته عودة هجينة الى قانون عام 1960 للانتخابات النيابية على مستوى انتخابي وسياسي "لمرة واحدة"، يصعب ان ينسحب على مسألة التمييز بين سلاح وسلاح اذا ظلت مفاعيل استخدام السلاح بمثابة توظيف بالقوة لتحقيق المكاسب السياسية.
ثم ان المفارقة الجديدة – القديمة التي سيتعين على العهد الجديد ان يواجه مفاعيلها بقوة، هي: اين يقف المزج بين المقاومة والمعارضة؟ أليست مكاسب المعارضة محمولة بفعل سلاح المقاومة؟ وأليس "حزب الله" تحديدا هو الجنرال العملاق للمعارضة بفعل قوته العسكرية والتنظيمية والتمويلية والايديولوجية مهما كثر الجنرالات السياسيون؟