بين "الإستراتيجيتَين" بدل الواحدة وبين الإعلان عن العضوية في "حزب ولاية الفقيه" واجتياح "الباسيج" لبيروت
نصرالله يطرح معادلة "الدولة البوليس" و"المقاومة الدولة"
في قراءة أكثر ما يمكن دقّة لخطاب الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله أول من أمس، لا بدّ من أخذ "توقيت" هذا الخطاب في الإعتبار.
فالخطابُ ألقي في الذكرى الثامنة لـ"المقاومة والتحرير"، وبعد أسبوعين من إجتياح بيروت والجبل، وبعد أقل من أسبوع على "إتفاق الدوحة"، وأقل من أربع وعشرين ساعة على إنتخاب الرئيس العماد ميشال سليمان.. وقبل يوم من بدء الإستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس "حكومة الوحدة الوطنية".
سُبعُ لبنان مع التحرير!
مفهومٌ تماماً انّ "المناسبة" أي العيد الثامن للإنتصار التاريخي على الإحتلال الإسرائيلي في 25 أيار 2000، "تفرضُ" على السيد نصرالله أن يستعيد سياقات ذلك الإنتصار وأن يعيد التأكيد على معانيه، وأن "يعبّئ" الجمهور حول هذا الإنجاز. بيد انّ نصرالله، ومن أجل إبراز عظمة الفعل المقاوم من أجل التحرير، لجأ بمفعول رجعي، إلى تقسيم اللبنانيين سبع فئات (أو مجموعات) ليعلن انّ فئة واحدة فقط تستحق التنويه هي التي مضت إلى "تحرير بلدها من الإحتلال مهما كان الثمن" أي "المقاومة". أمّا الفئات الستّ الاخرى فبين محايدة ولا مبالية ومتعاونة وعميلة ويائسة ومتخاذلة.. أي انّ كل تلك الفئات "شرّ". ثم، وفي رسالة بمفعولَين رجعي ومستقبلي يعلنُ انّ "المقاومة لا تنتظر إجماعاً وطنياً وشعبياً"، بحسب "تجارب التاريخ" كما قال. والحال ان كل الأمثلة التي استحضرها – او معظمها – تفيد ان "المقاومات" حظيت بشبه إجماع من شعوبها، وانّ المقاومة نفسها في لبنان إن لم يكن حولها إجماع في مرحلة 1982 – 2000، فانّها على الأقل لم تكن مصدر إنقسام حادّ كما حصل تدريجاً منذ العام 2000 وحتّى اليوم.
الشهداء – الضحايا
سحب نصرالله تمجيد الإنتصار في المقاومة ضدّ إسرائيل على "الإنتصار" العسكري في بيروت قبل أيام. وهو إن لم يسمّ مباشرة ما حصل في بيروت إنتصاراً، وإن تواضع وتحدّث عن "جراح عميقة عندنا وعندهم"، فانّه وتحت عنوان "عدم نكء الجراح" خانته المفردات، فتحدث عن "شهداء وضحايا"، شهداء لـ"المعارضة" وضحايا لـ"الفريق الآخر"(!)
بيروت و"الباسيج"
وفي السياق نفسه من التوتر والإنفعال، تناول السيّد الوضع السياسي اللبناني بعد "إتفاق الدوحة".
هو أعلن انّه يفتخر بكونه "فرداً في حزب ولاية الفقيه". حتّى الآن، كان السيد يعلنُ انّه يفتخر بأن يكون "حليفاً" لإيران ولسوريا "قيادة وحكومة وشعباً". فإذا به أول من أمس يقول انّه "إيران في لبنان".
وإذا كان أحد لا يستطيع "تفسير" هذا "الإضطرار" إلى ذلك، وإذا كان الجميع يأمل ألا يكون "الإبتهاج" (!) لخطابه غير منظّم مسبقاً على النحو الذي جرى في شوارع بيروت ليل أول من أمس، فإن مراقبين عديدين يخشون من "السلوك الباسيجي" للمناصرين، ومن أن يكون نموذج "الباسيج" الإيراني في صدد التعميم، أي الفرق المسلّحة "التأديبية" للناس والأحياء.
نقضُ "إتفاق الدوحة" وخطاب القسم
ومع انّ السيّد نصرالله رحّب "لفظياً" بإتفاق الدوحة وبإنتخاب الرئيس سليمان، فإنه في مضمون ما طرح إنما ناقض نصّ "إتفاق الدوحة" وروحه ونصّ خطاب القسم وروحه أيضاً، بل بدا "غير سعيد" بهما.
"إتفاق الدوحة" الذي حرّم إستخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية في الداخل، شدّد على "سلطة الدولة" وعلى "حصرية السلطة الأمنية والعسكرية في يد الدولة"، ودعا إلى حوار برئاسة رئيس الجمهورية ورعاية اللجنة العربية للتوصل إلى الهدفين أي بسط سلطة الدولة وحصرية الدورَين الأمني والعسكري في يدها. أمّا الرئيس سليمان، وإنطلاقاً من "إتفاق الدوحة" فقد دعا إلى "إستراتيجية دفاعية" للدولة "تستفيد من طاقات المقاومة".
مرّة أخرى الثنائية
لـ"حزب الله" وقائده الحقّ، بما أن الموضوع لا يزال في خانة حوار مقبل، أن يعبّرا عن آراء وقناعات.
غير انّ ما حمله خطاب نصرالله كان أشبه بتحدٍّ لـ"إتفاق الدوحة" وخطاب القسم على حدّ سواء.
كان السيّد يبدي إستعداداً للبحث في "إستراتيجية دفاعية". فإذا به أول من أمس يطالبُ بـ"إستراتيجيتين"، واحدة للتحرير وثانية للدفاع!
كان يبدي إستعداداً – في الظاهر على الأقل – للبحث في كيف تكون الدولة "قوية وقادرة". فإذا به أول من أمس "يعود" إلى "الإزدواجية" بين الدولة و"المقاومة".
الدولة – البوليس.. وبشروط
لكنّ اللافت هذه المرّة "تقسيم العمل" الذي يقترحه بين الدولة و"المقاومة". فبالنسبة إليه، فإنّ "سلاح الدولة" هو لـ"حماية الدولة والأمن والمواطن"، وتتولى "المقاومة" الى جانب الدولة "مسؤولية التحرير والدفاع". والى ذلك يضيف خطوطاً حمراً على "سلاح الدولة": "لا لتصفية الحساب مع فريق معارض"، "لا لسلاح يعمل لحساب مشاريع خارجية تضعف منعة لبنان"، و"لا لاستهداف المقاومة وسلاحها".
بمفهوم نصرالله، فإنّ الدولة "بوليس" في الداخل، و"المقاومة" هي الجيش الذي يدافع عن الوطن. وبمفهومه حول "أمن المقاومة" فإنّ الدولة – البوليس لا تستطيع أن "تفرض" القانون، لأنّ فرض القانون "عمل لحساب مشاريع خارجية أو تصفية حساب مع فريق معارض". الدولة ـ البوليس، في أحسن حالاتها قوّة فصل بعد أن ينجز "حزب الله" ما يريده في أيّ منطقة. فأيّ وعد بانتخابات حرّة وديموقراطية تنتظر لبنان؟(!)
تجربة الرئيس الشهيد وتصادم "حزب الله" معها
ثم يتحدث نصرالله عن تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ويلخصها "على ذوقه" بثنائية "الإعمار والمقاومة". فإذا وضعت جانباً حقيقة انّ هذه التجربة كانت قبل إنجاز التحرير، في العام 2000 تحت سقف القرار الدوليّ رقم 425، وحقيقة انها كانت محكومة بمعادلات داخلية وخارجية، وحقيقة ان "حزب الله" كان رأس الحربة ضد هذه التجربة تجريحاً بصاحبها و"تصادماً" شبه دائم معه. فإنّ ما قصد الأمين العام لـ"حزب الله" إليه في هذه الفقرة من خطابه، هو نوعٌ من الرسالة الى الحكومة المقبلة، أي ان نصرالله لا يكتفي بالاستخدام المبكر لـ"الثلث المعطل" بل يحاول إستباق تشكيل الحكومة والنقاش في بيانها الوزاريّ والحوار، لفرض سياسته على الحكومة وقد رفع السقف مسبقاً.
كل ذلك من دون إغفال الشروط المسبقة حول التمثيل في الحكومة، والتجاهل الكامل من جانب نصرالله للمفاوضات السورية – الإسرائيلية في وقت "خبط" كلّ الذين اختاروا أو يمكن أن يختاروا "إستراتيجية التفاوض".
تبديد التفاؤل باتفاق الدوحة
لكل هذه المعاني والأبعاد، وإذا كان السيّد قصدَ القول إنّ "إتفاق الدوحة" ليس "سالكاً" أو قصد تبديد التفاؤل بمسار طبيعيّ في تنفيذه، فإنه نجح بالفعل.
لكن كل الذين إستمعوا إليه – من خارج جمهوره – وشاهدوا "الابتهاج" (!) يقولون بوضوح أن "ما هكذا تورد الإبل"… وما هكذا يعامل لبنان إذا كان السيّد مقتنعاً بما قاله أول من أمس "نؤمن بأن لبنان بلد خاص متنوّع ومتعدّد"، وإذا كان فعلياً قوله إن "ولاية الفقيه تقول لنا إنّ لبنان بلد متعدد ويجب أن تحافظوا عليه" فلبنان عصيّ على الإبتلاع. واللبنانيون لا يسوقهم أحد.
و"اتفاق الدوحة" الذي أعطى "الثلث المعطّل" سحب السلاح إلى الطاولة، وهو في حاضنة عربيّة لن تتركه يسقط.