تطمينات اللامنطق.. والابتذال من نوع تقاسم جلد الدب؟!
فيما تباينت الاراء بالنسبة الى اللهجة الخطابية للامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في ذكرى التحرير، بقي من يرى في المشهد السياسي العام، أقل كثيراً من «التفاؤل غير المنطقي ولا المبرر» لإتفاق الدوحة. والدليل القاطع على ذلك ان ما سبق لمؤتمر الحوار الوطني ان توقف عنده في مطلع العام 2006، قد توقف عنده مؤتمر قطر، الاستراتيجية الدفاعية التي لا تزال عالقة بنفس حدة وعصبية ايام زمان؟!
وفي المقابل، يخطئ من يعتقد ان تشكيل حكومة اتحاد وطني او حكومة وفاق وطني يمكن ان تشكل حلاً لاكثر من الشكليات السياسية، تأكيداً لمقولة البعض ان اتفاق الدوحة هو مجرد هدنة واقل من حل لمسألة شائكة، مثل اعتبار سلاح الدولة محل تساؤل، بحسب ما اورده الامين العام لحزب الله عندما قال ان سلاح المقاومة موجه ضد العدو الاسرائيلي، فيما شكك في وضوح عندما اشار محذراً من توجيه سلاح الجيش والقوى الامنية الى اماكن سياسية، وهو يقصد بذلك المقارنة بين السلاحين؟!
ان استعادة المشاهد الدموية في عدد من شوارع العاصمة ليل اول امس، في اعقاب خطاب السيد نصر الله، لا بد وان تطرح علامات استفهام، لجهة ما اذا كان هناك طابور خامس او عناصر مدسوسة وراء ما حصل في امكنة سبق ان عانت من فلتان مطلع شهر ايار الجاري. كذلك، طاولت علامات الاستفهام ابعاد ومعاني اطلاق النار والقذائف الصاروخية، فيما لم تكن الامور قيد المواجهة او تستدعي اثبات الوجود، حتى وان كان الجيش لا يزال علي الحياد؟!
لقد بدا «التعبير المسلح» بمثابة دليل مستتبع على ان الامال التي علقت على اتفاق الدوحة لم تكن في مستوى «فلتان الشارع». ويخطئ من يعتقد ان الكلام على ملاحقة الجناة مهما كانوا يفي بالغرض ويطمئن من لا يزال مقتنعاً بأن اية هفوة او اي رد فعل سياسي، قد يؤديان الى نسف الهدنة في النفوس قبل ان تترجم نسفاً ميدانياً يلغي كل التطمينات غير المنطقية التي اغدقت اخيراً بإبتذال منقطع النظير!
قد تكون الاكثرية حققت ما تريده من خلال اتفاق الدوحة. وهكذا بالنسبة الى المعارضة. لكن ما لم يتحقق وقد لا يتحقق في المستقبل المنظور، هو استيعاب مظاهر التحدي التي يشكل فلتان السلاح اسوأ نتائجها، في وقت لا يخجل البعض من الحديث عن «استعادة البلد عافيته وتحسن الاوضاع العامة والاقتصادية والسياحية»، فيما بقي الاداء الامني للدولة من دون المستوى، بل اقل بكثير مما يسمح بفرض سلطة القانون؟!
صحيح ان مجلس الامن المركزي قد اجتمع امس وبحث في السقوط الفاضح للهدنة المسلحة. لكن لم يصدر عنه ما يسمح بالقول «ان الفلتان لن يتكرر» ليس لان الحصيلة اوقعت 17 جريحاً فقط، بل لان الاستعدادات متوافرة لإحداث المزيد من الخروقات فيما يمنع على الدولة ان تقول انها تقوم بواجب حماية المواطنين، كي لا تتهم بأنها توجه سلاحها الى غير العدو الاسرائيلي؟!
وفي المقابل، يبدو ان المناخ السياسي المتعلق بالحكومة العتيدة لا يشجع على تحقيق نقله نوعية، في ظل حديث بعض اركان المعارضة عن ان تسمية الرئيس فؤاد السنيورة لتشكيل الحكومة «يعكس موقفاً اكثرياً استفزازياً»، مع علم هؤلاء ان تصرف الرئيس السنيورة في الايام العصيبة اعطاه صفة القيادي السياسي بإمتياز قل نظيره!
وثمة دلالة اخرى على ان الرئيس السنيورة سيأتي على رأس السلطة التنفيذية، هي قدرته على التعاطي بالشأن العام من منطلق ما تجسده الاكثرية في نظامنا البرلماني الديموقراطي، فضلاً عن ان التخلي عن رجل بحجم الرئيس السنيورة هو غاية الغايات عند قوى 8 اذار التي لم تتوقف يوماً عن اعتبار اسقاط الحكومة ورئيسها من ضمن ثوابتها وثوابت من تجسده على الارض؟!
وهيهات ان تتخلى المعارضة عن مظاهر التحدي السياسي وغير السياسي «لان ما لم تقدر على تحقيقه بالقوة لن تصل اليه بالنكايات والتحديات، خصوصاً ان نصوص اتفاق الدوحة واضحة ولا لبس فيها، لا سيما بالنسبة الى الكوتا الوزارية. وهذه الامور مناطة برئيس الجمهورية لتأكيد حسن النية من بدايات العهد، كي لا يقال ان جل هم المعارضين استخدام الرئاسة في غير الاتجاه المطلوب منها (…)
أما الحرج الاخر الذي لم تحسب قوى 8 اذار حسابه السياسي والحزبي، فهو ان حلفاءها بدأوا بتقاسم جلد الدب قبل اصطياده، حيث يقال ان التعهدات التي اغدقت في الفترة السابقة قد حان اوان الوفاء بإلتزاماتها، حتى وان كان الجميع يعرفون استحالة قسمة الجبنة في غير ما هو مرسوم سياسياً منذ وقت طويل؟!