حزب الله" يسعى الى إضفاء معادلة الغالب والمغلوب على اتفاق الدوحة كما فعل النظام السوري مع اتفاق الطائف
رئيس الجمهورية مستهدف.. فكيف يُنقذ دوره؟
بُعيد خطاب القسم الذي ألقاه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، سرت موجة من الارتياح العام في لبنان.
كانت هذه المشاعر المرهفة في مكانها، فما نطق به الرئيس الجديد، مهم للغاية ويفتح آفاقا رحبة لحوار لبناني ـ لبناني مجدٍ، بعيدا عن "العنتريات" التدميرية، ولكن فجأة دخل "اهل النكد" ـ بالإذن من النائب محمد رعد ـ على الخط، وبقوة. الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ألقى خطابا تصعيدياً، راشاً الملح على الجرح الوطني النازف. "السرايا اللبنانية للمقاومة"، التي قادها "حزب الله" في غزوة بيروت والجبل أجرت مناورة عسكرية "ناجحة" بالذخيرة الحية "في مكان ما في لبنان، بعدما كانت قد استدعت بيروت وعرمون ومناطق أخرى في لبنان الى ساحة "غرز الخنجر في الجرح".
بدت الرسالة في غاية الوضوح. "إتفاق الدوحة"، ولو جاء وفق معادلة "اللاغالب واللامغلوب"، مطلوب تنفيذه وفق معادلة الغالب والمغلوب. ثمة من يريد أن يعيد البلاد الى عصر اتفاق الطائف، الذي كان على الورق معادلة متكافئة ولكن تنفيذه كان معادلة قاهرة.
بترشيحها الرئيس فؤاد السنيورة لتشكيل حكومة جديدة، حاولت قوى الرابع عشر من آذار أن تحدّ من الخسائر، وأن تسعى الى الإفادة من كل طاقاتها لقطع الطريق امام ترسيخ معادلة الغالب والمغلوب. السنيورة ليس عنوان تحدّ ولكنه بالتأكيد رمز مرحلة طويلة من الصمود. صمود كان مطلوبا بالأمس، ويظهر أنه لا يزال مطلوبا أيضا، أقلّه على المدى المتوسط.
خطاب السيد حسن نصرالله ومناورة "السرايا اللبنانية للمقاومة" والتحرش بأبناء بيروت والمناطق، لم تترك بمجملها أي مجال لتفكير آخر. "حزب الله" يريد هدنة، مفتوحة من "الفقيه" الذي يُحاول أن يُعيد مارد الغضب العربي والإسلامي الى القمقم، وبطلب من "بطل الممانعة" بشار الأسد الذي يستنجد بإيهود أولمرت ليُقطّع مرحلة الأشهر الأخيرة الصعبة من ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش. هذه المرحلة التي يخشى فيها جميع المقربين من الأسدبمن فيهم باتريك سيل ـ أن تشهد "ضربة كبيرة غير محسوبة"، إنطلاقا من تأكيدات بوش لفريق عمله "أننا سنبقى نقفز حتى اللحظة الأخيرة من ولايتي".
وهذا ما تبدّى، بقوة من مجريات يوم الإستشارات النيابية الملزمة التي أجراها الرئيس سليمان، أمس. طبعا بعض النواب حرّكتهم أحقادهم الشخصية أو تطلعاتهم الفردية، ولكن من يُدقق بما نطق به فصيلان أساسيان في قوى التعطيل وهما كتلة "حزب الله" وكتلة العماد ميشال عون يُدرك أن إتفاق الدوحة ليس تسوية نهائية بل هدنة مرحلية. ما حصل أن هذين الفصيلين، يريدان تحويل مجلس الوزراء الى مكان لتنظيم المواجهة، بمعنى أن هناك وزراء موالاة ووزراء معارضة. وزراء يعملون ويُفكرون ويُخططون ووزراء مزايدون و"غوغائيون" و"شعبويون". يضربون السلطة التنفيذية، ويحضّرون انتخاباتهم النيابية، مستفيدين من خدمات الوزارات من جهة ومن الصوت العالي من جهة أخرى، هذا في حال فشل مشروع منع تشكيل حكومة جديدة، طالما أن هناك مواكبة عربية لتنفيذ "شكليات" إتفاق الدوحة.
أمام هذا المشهد، من هو المتضرر الأول؟
بطبيعة الحال، لبنان واللبنانيون ومسيرة النهوض بالبلد.
الرئيس فؤاد السنيورة؟ هو في الأساس خرج من "معركة الصمود" مثخناً بالجراح، ولكن مثقلاً بأوسمة ناسه وأهله والرأي العام العربي والدولي.
"تيار المستقبل"؟ الغزوة العسكرية التي تعرّض لها، هي أقسى بكثير من كل المعوقات السياسية.
عملياً فإن المرشح لأن يكون متضرراً كبيراً هو رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.
كل ما حصل يستهدفه. يستهدف الأمل الذي أشاعه بين اللبنانيين. يستهدف الوعود التي قطعها على نفسه في خطاب القسم. يستهدف الدولة ـ الحلم المطلوب منه إرساء أسسها. يستهدف قامته كحكم ـ حاكم بين اللبنانيين وللبنانيين. يستهدف الشعبية التي يمكنها أن توفّر له كتلة نيابية فاعلة في مجلس النواب، من خلال إظهاره وكأنه "لا حول ولا قوة له". يستهدف مكانة رئاسة الجمهورية، وكأن كلمتها انتقلت الى مكان آخر، الى الرابية ظاهرياً والى الضاحية فعلياً.
مشهد غير سعيد. صحيح، لكنه غير حتمي أيضا، لذلك يبرز السؤال عما سوف يفعله الرئيس سليمان، فهل يترك لعبة الإهتراء تأخذ مداها؟ هل يكتفي بالقصر الجمهوري ويترك السلطة للآخرين؟ أم يقبض على زمام الأمور بقوة ؟
الدستور يتيح له الكثير والكثير. ثقة المؤسسة العسكرية كذلك. إرادة الجماهير بالتحلق حوله تتكفّل بالحسم.
أمام العماد سليمان مهمة إنقاذية كبرى لدوره وللوطن في آن. ثمة وحدة حال بينهما في المرحلة الراهنة.
مهمة إنقاذية تقوم على أسس كثيرة، لعل أبرزها الآتي:
أولا، رفضه ان يوقع على أي مرسوم لحكومة لا تتشكل وفق روحية الفريق التنفيذي الواحد. صحيح أن هناك توزيعا للحصص، ولكنه توزيع على اساس سياسي، لتوحيد البلاد وليس لتكريس انقسامها.
ثانيا، أن يُسمّي وزراءه هو، ممن لهم خبرة سياسية حقيقية، بحيث تكون لكلمتهم وقعها في مجلس الوزراء.
ثالثا، أن يواكب مساعي تشكيل الحكومة ببدء أعمال طاولة الحوار الوطني، بحيث يضع خطاب القسم أمام الجميع، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
رابعا، أن نراه سريعا في بكركي، لإعادة الاعتبار الى الصرح الأكثر خوفا على رئاسة الجمهورية والأكثر قدرة على الدفاع عنها، بحيث تقوى الرئاسة ببكركي وتقوى بكركي بالرئاسة، بعد عمل ممنهج لتشويه سمعتها، بسبب وقوفها ضد مشروع الفراغ والمشروع الأخطر من الفراغ أيضا.
خامسا، أن يتأكد رئيس الجمهورية أن ما يقوم به عون، منذ مدة طويلة، يعود الى خطة لديه تقضي بالانتقام ممن حموا القصر الجمهوري منه وحفظوه للعماد سليمان.
للرئاسة دورها الفاعل.. فهل تصحح ما يُحاول أن يُفسده "أهل النكد"؟