بعدما أكد نصرالله أن سلاح الحزب ليس للدفاع فقط بل للتحرير
هل يلقى اتفاق الدوحة مصير الاتفاقات السابقة؟
ما تضمنه خطاب الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله حول موضوع السلاح يطرح السؤال المهم قبل اي سؤال آخر حتى عن الحكومة العتيدة وهو الآتي: كيف يمكن تطبيق "اتفاق الدوحة" الذي يؤكد ما جاء في اتفاق الطائف وما جاء في القرار 1701 لجهة بسط سيادة الدولة وسلطتها على كل الاراضي اللبنانية وان لا تكون هناك اي اسلحة من دون موافقة الحكومة اللبنانية ولا سلطة غير سلطة الحكومة؟
لقد دعا الرئيس سليمان في خطاب القسم الى "وضع استراتيجية دفاعية تحمي الوطن للافادة من طاقات المقاومة خدمة لهذه الاستراتيجية فلا تستهلك انجازاتها في صراعات داخلية"، وقال: "ان البندقية تكون فقط باتجاه العدو ولن نسمح بان تكون لها وجهة اخرى".
وقد رد السيد نصرالله على ذلك في خطابه لمناسبة عيد التحرير بان هناك استراتيجية للتحرير واستراتيجية للدفاع… وان لا يكون تناقض بين اعمار لبنان ووجود المقاومة وهو النموذج الذي اعتمده الرئيس الحريري "الرجل الكبير".
وهذا معناه ان "حزب الله" يريد الاحتفاظ بسلاحه من اجل تحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية لانه لا يرى ان التحرير يمكن ان يتم بغير السلاح والمقاومة مع ان سوريا وهي حليفه تسعى الى تحرير الجولان من الاحتلال الاسرائيلي بالتفاوض وليس بقوة السلاح والمقاومة، وان ايران الحليف الآخر للحزب تتفاوض حول ملفها النووي تجنبا للحرب. فاذا كان "حزب الله" يقبل بالاستراتيجية الدفاعية لحماية الوطن، فانه تبقى للحزب "استراتيجية التحرير" التي لا يشاركه فيها احد لانها تعني المقاومة وحدها وليس الجيش النظامي الذي لا يتقن هذا النوع من عمليات التحرير او ان ليس له ان يقوم بمثل هذه العمليات. وباختصار ان "حزب الله" يريد ان يبقى له سلاحه الذي يمكن ان يتعايش مع سلاح الدولة وان يكون وجوده شبيها بوجود الجيش السوري عندما كان يوصف بانه "وجود شرعي وضروري وموقت".
اما الخوف من ان يتحول هذا السلاح نحو الداخل، فان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله تعهد بعدم حصول ذلك، وان الرئيس سليمان اكد انه لن يسمح به وان "اتفاق الدوحة" نص على "تعهد الاطراف بالامتناع عن او العودة الى استخدام السلاح او العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية" فان هذا الخوف لا تبدده التصريحات ولا التعهدات من اي جهة خصوصا بعدما تعرضت بيروت الغربية وبعض مناطق الجبل لاجتياح "حزب الله" مهما كانت الاسباب لتبرير ذلك، وبعدما اصبحت العناصر المسلحة التي قد توصف بغير المنضبطة تجول في الشوارع في كل مناسبة للتحدي والاستفزاز ويضطر الجيش الى التدخل بعدما يكون قد تعكر الامن وتسبب في سقوط قتلى او جرحى. وهذه العناصر اذا كانت تتحرك بدون علم قياداتها فينبغي ان تحاسب وتطرد او يرفع الغطاء عنها، واذا كانت تتحرك بعلمها ولو الضمني فالمصيبة عندئذ تكون كبيرة.
لقد اعطى "حزب الله" للعبارة الواردة في البيان الوزاري لحكومة السنيورة تفسيرا جعله يبرر تفرده بحرب تموز، وهو يعطي كل عبارة واردة في الاتفاقات او القرارات التفسير الذي يريد كي يظل محتفظا بسلاحه. فنائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم قال في حديث له: "لقد اتفقنا مع الحكومة ومع الدول الكبرى على ان مسألة السلاح قضية داخلية وليس للقرار 1701 علاقة بهذا الموضوع"… وقال في حديث آخر: "ما من لبناني مستعد لتحمل البحث في تنفيذ القرار 1559 وان المقاومة لن تلقي سلاحها حتى لو انسحبت اسرائيل من مزارع شبعا"… وفي رسالة كان السيد حسن نصرالله قد وجهها الى فرنسا عام 2005 قال بوضوح "ان سلاح المقاومة يشكل قوة حماية استراتيجية للبنان ليس في امكانه التخلي عنه تحت اي ضغط او تهديد لان ذلك يجعل لبنان واللبنانيين تحت رحمة النار الاسرائيلية" فكيف يمكن مع هذه المواقف الواضحة والصريحة تنفيذ الاتفاقات التي نصت على ان يكون السلاح في يد قوات الدولة اللبنانية من دون سواها وكيف يمكن ان يبقى لسلاح حزب الله وظيفة بعدما اصبحت حدود اسرائيل الشمالية مع لبنان آمنة بحكم انتشار القوات الدولية والجيش اللبناني على طول هذه الحدود وان يبقى امن الداخل في لبنان غير آمن بسبب وجود السلاح خارج الشرعية وما الحوادث الامنية التي تتكرر سوى دليل على ذلك، وهي حوادث لا يمكن منع حصولها مع وجود هذا السلاح في ايدي عناصر قد تكون غير منضبطة وتستخدمه ساعة تشاء لاسباب واسباب، وليس في الاستطاعة منعها لا بالاتفاقات ولا بالتعهدات الكلامية وبدون اجراءات عملية، وكيف يمكن تنفيذ القرار 1559 ما دام تقرير الامين العام للامم المتحدة يقول: "ان استمرار "حزب الله" في الابقاء على ترسانة كبيرة وقاعدة شبه عسكرية خارجة عن سلطة الدولة يؤثر سلبا في جهود الحكومة اللبنانية لبسط سلطتها الحصرية وان تحويل الحزب حزبا سياسيا هو عنصر اساسي لاستعادة السيادة الكاملة"، وكان الامين العام السابق للامم المتحدة كوفي انان قال خلال زيارته لبيروت عام 2006: "انني اخشى خطر تجدد المواجهات اذا لم ينفذ القرار 1701".
وقد اعرب الامين العام الحالي في تقريره الاخير حول القرار 1701 عن "قلقه من تعطيل المؤسسات واعادة تسلح حزب الله" في حين كان الرئيس السنيورة قد خاطب اللبنانيين عشية انتشار الجيش والقوات الدولية في الجنوب بالقول: "ان حق الدولة وواجبها ان تبسط سلطتها كاملة على كل اراضيها وان التساهل في ذلك يعرض بلادنا ان تصبح من جديد ساحة للصراعات الاقليمية والدولية، وان تطبيق الـ1701 كاملا ووضع مزارع شبعا في عهدة الامم المتحدة يؤدي الى بسط سلطة الدولة على اراضيها ويؤسس لاعادة العمل بالهدنة".
الواقع ان القرار 1701 اذا كان يعطي اسرائيل الهدنة ان لم يكن الامن ايضا على طول حدودها الشمالية، فهل يعطي لبنان فرصة اقامة الدولة القوية القادرة التي لا دولة ضمنها ولا الى جانبها ويعطي للبنان الامن الثابت في الداخل؟
ان "اتفاق الدوحة" هو موضوع اختبار وامتحان لجهة تطبيقه تطبيقا دقيقا كاملا خلافا لما حصل لاتفاقات اخرى مثل "اتفاق القاهرة" و"اتفاق الطائف" وحتى للقرارات الدولية ومنها القراران 1559 و1701. فهل يصير تفاهم على ان يتضمن البيان الوزاري للحكومة العتيدة بالنسبة الى سلاح "حزب الله" العبارة الواردة في "اتفاق الدوحة" وهي: خطر اللجوء الى استخدام السلاح او العنف او الاحتكام اليه في ما قد يطرأ من خلافات ايا كانت هذه الخلافات وتحت اي ظرف كان بما يضمن عدم الخروج على عقد الشراكة الوطنية القائم على تصميم اللبنانيين على العيش معا في اطار نظام ديموقراطي وحصر السلطة الامنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين بيد الدولة بما يشكل ضمانا لاستمرار صيغة العيش المشترك والسلم الاهلي للبنانيين كافة وتعهد الاطراف بتطبيق القانون واحترام سيادة الدولة في كافة المناطق اللبنانية بحيث لا تكون هناك مناطق يلوذ اليها الفارون من وجه العدالة احتراما لسيادة القانون وتقديم كل من يرتكب جرائم او مخالفات للقضاء اللبناني"، او الاكتفاء بالعبارة التي وردت في خطاب القسم وهي: وضع استراتيجية دفاعية تحمي الوطن للاستفادة من طاقات المقاومة خدمة لهذه الاستراتيجية، فلا تستهلك انجازاتها في صراعات داخلية".
ولكن هل يكون لكل طرف تفسيره للعبارات المتعلقة بالمقاومة تختلف عن تفسير طرف آخر كما حصل بالنسبة الى العبارة التي وردت في البيان الوزاري لحكومة السنيورة حول دعم المقاومة. وهل يمكن الدولة تطبيق اي اتفاق او تنفيذ اي قرار مع وجود سلاح خارج شرعيتها خصوصا اذا كان يفوق سلاحها قوة، عدا ان هذا الوضع يخلق حالة اختلال سياسي بين قوى تلتزم العمل السياسي وقد تخلت عن سلاحها، وقوى تمارس العمل السياسي وهي مسلحة في آن واحد؟