لبنان في حوزة الفقيه
لو كان السيد حسن نصرالله رجل دين عادياً مثل آلاف آخرين منتشرين في كل مناطق لبنان ومن كل الطوائف، لقلنا إن له الحق في ان يعتقد بما يريد ويؤمن بما يريد، ولاية الفقيه او سواه، ويعتبران مرجعيته الدينية في قم وليست في النجف، وغير ذلك من اجتهادات وتفاصيل يفترض ان تبقى في اطارها الفقهي الطبيعي داخل طائفته او في تعاطيها مع غيرها من المذاهب والديانات. ولبقي الخلاف على هذه النقطة او تلك شأناً شيعياً يتداول به في المجالس والحسينيات ومؤسسات الطائفة وبين علمائها وشيوخها.
لكن الامر يصبح خطيراً جداً عندما يكون الاقرار بالانتماء الى «حزب ولاية الفقيه» صادراً عن الزعيم الديني والسياسي لواحدة من اكبر طوائف لبنان والأمين العام لـ «حزب» يمتلك جيشاً نظامياً مدججاً بأسلحة تفوق ما بحوزة الجيش الوطني وربما تفوق ما في ترسانة بعض دول المنطقة، وهو لم يتردد في استخدامه في الداخل ضد اطراف سياسيين ومناطق ذات طابع مذهبي مختلف، في خطوة لا تزال ذيولها واضحة في الشارع.
ويصبح هذا الإقرار أخطر لأنه يأتي بعد توقيع اتفاق الدوحة الذي كان «حزب الله» طرفاً رئيسياً فيه، وانتخاب رئيس للجمهورية يحظى بتوافق محلي وتأييد اقليمي ودولي، واعتبار ذلك مدخلا لإعادة البلاد الى مسار طبيعي يحتكم الى المؤسسات الدستورية لحل الخلافات، وبعدما حصل الحزب وحلفاؤه على الثلث المعطل في الحكومة وعلى قانون انتخابي يلبي جزءا كبيرا من مطالبهم.
فمعتقداته ومواقفه ليست رأياً او اجتهاداً شخصياً، بل تنعكس على المجتمع اللبناني برمته وعلى مؤسساته السياسية والأمنية وعلى اقتصاده، وتطرح اسئلة عن مستقبل لبنان ومصيره، وترسم دوراً لدولته وحدوداً لسيادته وشروطاً لاستقراره، وترهن قراره بمرجعية خارجية لها حساباتها الخاصة.
وسؤالنا: هل كان السيد بحاجة الى فتوى ايرانية ليقتنع بأن لبنان بلد متنوع متعدد يجب المحافظة عليه، على حد قوله في خطابه الاخير؟ وماذا لو غيّر «مرشد الجمهورية» رأيه؟ وماذا لو رأى الفقيه، وهو ايراني يغلب مصالح بلده على ما عداها، ان هذا التنوع اللبناني لم يعد مفيداً؟ وماذا يفعل عندها بسائر اللبنانيين وبينهم حلفاؤه؟
ألا يعني انتظار «حزب الله» الضوء الاخضر الايراني ليوافق على اتفاق الدوحة ان الفراغ في الرئاسة والمؤسسات كان يناسبه؟ أليس هذا معنى «الانذار» الذي وجهه الى الدولة، غداة استعادتها رأسها، بأن سلاحه باق وان سلاحها يجب ان يكون مكملاً له؟
لقد أكد السيد في ذكرى التحرير ان مقاومته لا تنتظر إجماعاً من اللبنانيين ليست بحاجة اليه، وانها مكتفية بذاتها وقوتها، فكيف يستطيع بعدها ان يخاطب جمهور حليفه المتشاطر عون الذي يتعامل تياره مع مستقبل البلاد بذهنية مجموعة من الكشافة؟ وكيف يمكنه بعد ذلك الادعاء بأن مطلبه ليس سوى الشراكة؟ وهل يمكن ان تبنى دولة على ازدواجية في الاستراتيجية والادوات والمفاهيم؟
أليس هذا السبب هو الذي أودى بحياة رفيق الحريري عندما تبيَّن ان عمله الدؤوب على مراحل من اجل اعادة بناء الدولة يسحب البساط من تحت ارجل الراغبين في بقاء لبنان رهينة للمصالح والتجاذبات؟
واذا كانت لكل سلام متطلباته وشروطه، فماذا سيفعل «حزب الله» عندما تنجح المفاوضات السورية مع اسرائيل، فتضطر دمشق ربما الى إقفال «حنفية» السلاح؟ هل سيعود الى احتلال مطار بيروت وربما المرفأ لتمرير الصواريخ؟
انه منطق لا يستقيم مع روحية اتفاق الدوحة ولا يعكس رغبة فعلية في المشاركة، بل فيه تكريس لإبقاء قرار قسم كبير من اللبنانيين مرهوناً بالخارج ومتطلباته، ولهذا يمكن تفهم الكلام عن ان الاتفاق الذي لم يجف حبره بعد ليس سوى «هدنة» بانتظار ان يصل التعارض بين استراتيجية «حزب الله» وبين مفهوم الدولة والمؤسسات الى صدام جديد.