السنيورة حذّر ومجلس الوزراء قرّر!
لم اكن انوي العودة الى الاقتراح الذي قدمته الى الرئيس فؤاد السنيورة هذه الزاوية الاثنين الماضي بان يستريح بعد ثلاث سنوات من ترؤسه الحكومة وفي ظروف بالغة الصعوبة والافساح في المجال امام شخصية اخرى من الغالبية النيابية لتولي هذه المسؤولية في بداية العهد الرئاسي الجديد الامر الذي قد يوفر فرصاً اكبر للهدنة التي حققها اتفاق الدوحة او يفترض انه حققها. ذلك انني لست سياسياً ولا نرجسياً كي اعتبر عدم الاستجابة لاقتراح قدمته عن حسن نية وبحس وطني اهانة شخصية وان اعمد كلما سنحت الفرصة الى تذكير الناس به لافهامهم انني كنت محقاً. لكن اتصال الرئيس السنيورة بي هاتفياً قبل ظهر امس في محاولة منه لشرح موضوع رئاسة الحكومة الجديدة كما القرارين المتعلقين بكاميرات "حزب الله" وشبكة "اتصالاته السلكية" وبطريقة فيها الكثير من الود والمحبة والاحترام دفعني الى اثارة هذا الموضوع للمرة الثالثة خلال ايام ذلك ان المرة الثانية كانت ليل الثلثاء الماضي من على شاشة الـ"إل. بي. سي." في برنامج "بكل جرأة" للزميلة الشهيدة الحية مي شدياق.
ماذا قال الرئيس السنيورة في اتصاله؟
قال "انت تعرف ان تمنياتي كانت دائماً الخروج من السرايا الحكومية. وقد قلت لك مرة قبل اشهر اثناء لقاء لي معك انني سأخرج منها واغلق الباب ورائي. وقرار العودة اليها بقبولي اختيار الغالبية النيابية ترشيحي لترؤس الحكومة الجديدة في الاستشارات النيابية الاولى التي يجريها الرئيس الجديد العماد ميشال سليمان لم يكن لاني ارغب في ذلك. فرغبتي كان ان ارتاح اولا بعد طول عناء ثم الانطلاق والانصراف الى الشأن العام. وهنا قد يكون بعض الناس فهمني خطأ باعتبار ان ذلك يعني او قد يعني التفرغ للعمل السياسي الاحترافي وتالياً استخدام كل الوسائل الممكنة لتكريس نفسي اولاً عضواً في نادي رؤساء الحكومات. وثانياً، مرشحاً دائماً لتأليف الحكومة لدى استقالة حكومة او نشوب اي ازمة وزارية. الا ان الشأن العام الذي عنيته هو النشاط الثقافي والفكري والعمل الاجتماعي، هذا فضلاً عن ضرورة تفرغي لشؤون عائلتي الصغيرة بعدما كادت شؤون عائلتي الكبيرة اي الوطن وشجونها ان تستنزفني".
وقال السنيورة ايضاً "ان الظروف التي سادت الفترة الاخيرة جعلتني انزل عند رغبة حلفائي في الغالبية النيابية في موضوع رئاسة الحكومة الجديدة. فأنا كنت ولا ازال جزءاً من قضية وفكرة بذلت كل ما في وسعي من جهود من اجل تنفيذهما. وهما فكرة الدولة وقضية الدولة. اي اقامة دولة وتمكينها من الدفاع عن حقوق الناس. وحماية لهاتين الفكرة والقضية والخط السياسي العامل من اجلهما وبعد تقويمي للمرحلة المقبلة وجدت ان عليّ ان اقبل ما لم اكن ارغب فيه". واضاف: "اعرف ان هذا الموقف قد يجعل مني درعاً او بالاحرى هدف رماية يصوّب الكثيرون عليه سهامهم، وربما يكون ذلك بدأ، وانا لا انكره الآن. كما انني فكرت فيه قبل القبول. لكن على من يؤمن بقضية او بفكرة ان يتحمل السهام".
وقال السنيورة ثالثاً: "هناك امر آخر هو القراران اللذان اتخذهما مجلس الوزراء، الأول في شأن رئيس جهاز امن المطار العميد وفيق شقير، والآخر في شأن شبكة الاتصالات السلكية لـ"حزب الله". وقد قرأت تلميحاً في مقالك يوم الاثنين الماضي وسمعت كما سمع آخرون افصاحك عبر شاشة الـ "إل. بي. سي." مساء امس انني لم اتخذ القرارين الا بعدما اجريت اتصالين بدولتين واحدة صديقة وأخرى شقيقة معنيتين بلبنان ومهتمتين به.
والحقيقة ان ذلك لم يحصل. وهو ليس من طبيعتي. لم ولم ولم يجر اي اتصال من النوع المذكور لا مني ولا من غيري. عملياً كان مجلس الوزراء كله في تلك الجلسة في جو الموافقة على اتخاذ القرارين المشار اليهما. اما انا فكان موقفي تحذيرياً وعبرت لزملائي في الحكومة عن هواجس وربما عن مخاوف، لكن ذلك لم يغيّر شيئاً في النهاية في الموقف. وانا رغم تحذيري وهواجسي اتحمل المسؤولية كاملة لان هذه طبيعة عمل رئيس الحكومة في نظام برلماني ديموقراطي. طبعاً كان في إمكاني فرط الجلسة وارجاء موضوع القرارين او جعلهما غير ذي موضوع. لكن هذا سلاح او "فشكه" اي رصاصة لا تستطيع ان تستعملها كل يوم في النظام الديموقراطي. على كل هناك مثل اجنبي يقول انك قد تكون مخطئاً في حال تسرعت بكونك محقاً". وقال السنيورة اخيراً "ان المرحلة شديدة الصعوبة. لكن لِمَ لا نتعامل بعضنا مع بعض موالاة ومعارضة ورغم الجروح وسلبية التطورات الاخيرة بطريقة حضارية. اي لا "نقضيها نقاراً" يومياً وعند كل مسألة او قضية. بل "نتناقر" حول قضية ولا يمنع ذلك ان نبحث جدياً في أخرى وان نتفق على ثالثة".
طبعاً قلت في هذه الزاوية الاثنين الماضي وفي التلفزيون بعد ذلك انني احترم الرئيس السنيورة واقدّره واعتبره رجل دولة ترك بصمة في رئاسة الحكومة رغم الصعوبات الكثيرة التي واجهته وواجهت البلاد. ولا ازال عند هذا الموقف، وقلت انني اعتبر القرارين خاطئين عملياً وتوقيتياً. ولا أزال عند هذا القول، اما ما قلته عن الاتصالات مع الدولتين الصديقة والشقيقة فكان نتيجة معلومات قد تكون صحيحة او مدسوسة، لذلك لا اتمسك به رغم جدية المصادر. لكنني ألفت الى ان الاتصالات مع الجميع في الداخل والخارج هي اكثر من ان تحصى والى ان تدخل الخارج لدى الغالبية كما لدى الاقلية صار طاغياً ولم يعد ضرورياً التوقف عند مواقف الخارج من القرارين واعتبار الاشارة اليها اساءة.
آمل ان اكون وفيت الرئيس السنيورة حقه. لكن اخشى ان تكون اعادة تكليفه اشارة من "معسكره" الداخلي والمعسكر الخارجي الحليف له الى رغبة في مواجهة "غلبة" المعارضة في الشارع وفي الدوحة وخصوصاً بعدما بدأت وحلفاؤها الاقليميون يعتبرون هذه الغلبة نهائية. وذلك يعني ان التقاط الانفاس الذي امل فيه اللبنانيون قد يتعرض في استمرار للتوقف، وهذا ما لا أتمناه على الاطلاق.