بانتظار "الحكومة القيصرية"!
من الفراغ الرئاسي الى "الفراغ" الحكومي؟!
هذا على الاقل ما تشي به الغيوم الداكنة التي تجمعت امس في سماء التكليف بعد يوم الاستشارات. وسنشهد بالتأكيد برقاً ورعداً قبل ان يمطر الغضب الساطع وتكون لنا حكومة الوحدة الوطنية.
بالتأكيد لن تترك المعارضة الرئيس فؤاد السنيورة يواصل تصريف الاعمال. وبالتأكيد لن تسهل عليه ولا على الرئيس ميشال سليمان تشكيل الحكومة الجديدة. وعندما تُشكّل في نهاية الامر لن يكون سهلاً توافر التفاهم السهل بين اعضائها الذين ترجح كل الاحتمالات انهم سيكونون مجموعة من اهل "دبّي واعصري". ومع وجود الثلث الضامن او المعطِّل ليس غريباً ان يحل "الفراغ الانتاجي" في السرايا رغم وجود الوزراء الثلاثين أصابع في عيون الشياطين !
لماذا هذا التشاؤم المتصاعد؟
لأن شمس التفاؤل لم تشرق بعد، لا من فجر الدوحة ولا من صياح "الديوك" الكثيرة العربية والدولية التي جاءتنا في يوم انتخاب الرئيس الجديد، ولا حتى من بعض الردود على خطاب هذا الرئيس المتوازن والحكيم والتأسيسي؛ حيث بدا كأن "حزب الله" يريد ان يُفهم الجميع ان مسألة السلاح خارج البحث والحوار، وان على الدولة ان تعرف كيف تلتزم حدودها !
وهكذا لم يكن مستغرباً ان تنهال الشكوك والانتقادات وحتى الاتهامات التي وجهت امس الى الاكثرية لأنها اختارت فؤاد السنيورة مرشحاً لرئاسة الحكومة؛ حيث وجدت اوساط في المعارضة ان في الامر كيدية و"مؤامرة" عربية ودولية، وكل ذلك انطلاقا من الاستنساب الكيفي الذي طرح نظرية تنقض روح التفاهم في الدوحة، عندما تقول: إن الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية يفرض ان يكون رئيس الحكومة توافقياً.
هذا الامر غير صحيح على الاطلاق، لأن المعنى الموضوعي للوحدة الوطنية في الحكومة يعني ان تضم في عضويتها الجميع بحيث تعكس قراراتها تفاهماً وطنياً، وإلا فإن سلاح التعطيل موجود بنعمة الله سبحانه وتعالى.
والوحدة الوطنية في الحكومة تعني ترجمة هذه الوحدة والمحافظة على روحها من خلال الاداء والقرارات والمشاركة الجامعة لا من خلال الاشخاص او الوجوه التي تتألف منها رئيساً واعضاء، وإلا فإن علينا ان نستورد ثلاثين ملاكا من الفضاء الخارجي ونرئّس عليهم الملاك جبريل، ونجعلهم في جنة تجري من تحتها الانهار!
لقد كانت الشكوى دائما تنطلق من القول ان ليس هناك مشاركة. رغم ان الاستقالة شكّلت عزوفاً عن هذه المشاركة التي كانت قائمة ومحترمة، فلم يعترض احد على حد علم الناس جميعا. اما وقد تحقق الآن الانتصار في مسألة الثلث المعطل فلا ندري لماذا الاعتراض على الاسماء والاشخاص !
ثم لماذا لا تؤخذ الامور في بساطة ومن دون استنساب وأحمال وأثقال. فعندما يقول النائب سعد الحريري "انا او فؤاد لا فرق"، لماذا يفترض البعض في المعارضة ان تسمية السنيورة تناقض "اتفاق الدوحة"، وانه لو تمت تسمية سعد الحريري لكانت الاجواء اكثر راحة وقبولا وأريحية وملاءمة للانفراج؟!
وهل هناك في ظل ما يجري وما نسمع ونقشع من يصدق فعلاً ان المعارضة التي اعدِّت وتعد الآن للسنيورة "زوم الزيتون"، ولكأنه لم يشبع من المرارة بعد، كانت قد اعدت او ستعد لسعد الحريري شراب التوت والعسل بدلاً من العلقم والحنظل وما الى ذلك من المرارة والحرقة وقرحات المعدة ووجع القلب؟!
إن الامور في لبنان واضحة وجلية امام عيون الجميع. والمعارضون الذين لم تعجبهم تسمية السنيورة ولوحوا امس بأنهم سيختارون له من صفوفهم وزراء يحملون درجة الدكتوراه الفخرية في الكيدية وتنشيف الريق، لم كانوا ليختاروا لحكومة يرأسها الحريري وزراء من جلابيط الملائكة لم ينبت لهم ريش بعد ولا مخالب او أنياب.
والامور في السياسة اللبنانية اكثر وضوحا مما يتصور البعض. ففي مسألة التكليف ورئاسة الحكوة العتيدة هناك في الواقع "مُحبّون" في المعارضة يعتبرون ان الازمة احرقت السنيورة ويجب ان نلقي رماده في نهر الليطاني، وان الافران لا تزال حامية جدا، فما المانع من احراق سعد الحريري ايضا والقاء رماد تجمع 14 آذار وانتفاضة الاستقلال في بحيرة القرعون او في سد شبروح الذي لم يمتلئ كما يقال؟!
في هذه المسألة، مسألة التكليف، الامور واضحة ومحسوبة ايها السادة. ومن المراهقة السياسية افتراض ان تجمع 14 آذار مجموعة من المراهقين السياسيين الذين لا يعرفون من أين تؤكل الكتف.
لعل قمة المراهقة محاولة تعمية اللبنانيين ومعاملتهم كمراهقين يمكن ان يصدقوا المزاعم التي تقول إن السعودية واميركا هما اللتان فرضتا تسمية السنيورة على الاكثرية، وان السفير السعودي في بيروت د. عبد العزيز خوجه والقائمة بالاعمال الاميركية ميشيل سيسون توليا التقرير عن الاكثرية في مسألة اختيار السنيورة، رغم ان الموضوع في محصلته السياسية يبقى في مستوى "دَرَجَ عَرَج" أو "واحد مع واحد يساوي اثنين"، رغم ان الحريري قال إن الاثنين يساويان واحداً: أنا والسنيورة واحد!!
خلاصة القول ان السنيورة الذي صار يرتشف "زوم الزيتون" مثل "ليموناضة البترون" ويتلذذ به ايضا، حاضر الآن لحبل طويل عريض قبل ولادة الحكومة القيصرية.