قصة الأوراق البيض الخمس…
عون يلاحق جعجع من زنزانته في اليرزة الى جلسة انتخاب الرئيس
قال الامام علي بن أبي طالب: "يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم"…
في كل مرة يحاول النائب ميشال عون نصب الأفخاخ للآخرين، نراه فوراً يقع فيها وكأنه بنا يترجم القول اللبناني المأثور "من نصب فخاً لأخيه وقع فيه".
غريب أمر هذا الرجل، فعلاً حالته تستوجب دراسة سيكولوجية لناحية عدم كلله من التربص ببعض من يرى فيهم خصوم أبديين، من هنا بات مؤكد أن إحدى عقد عون المزمنة مثلاً الدكتور سمير جعجع، صحيح ان له عقداً أخرى من قبل شخصيات مسيحية أخرى وعلى رأسها رأس الكنيسة المارونية غبطة أبينا الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وقد أضاف على لائحته وبعيد عودته من منفاه المخملي بطلب سوري مباشر سعد الحريري ووليد جنبلاط.
ولكن تبقى سهامه وبالدرجة الأولى مصوّبة باتجاه جعجع، لا ضير في بعض الأحيان من بعض المحاولات لتوريط القوات اللبنانية ببعض أحابيله وتخيلاته التي يتم التحضير لها انطلاقاً من مطبخه الخاص بتوليف وتركيب حملات مبرمجة مركبة بهدف الإيقاع بخصمه التاريخي سمير جعجع، الذي بالفعل لم نسمعه يوماً يرد على عون أو على الأقل يخاطبه بالأسلوب ذاته الذي اعتاد ميشال عون أن ينتهجه كمسلكاً بات من ضمن تركيبته الشخصية، وهذا الأمر يترجمه الرجل في الكم الهائل من قذف العبارات والألفاظ التي يطلقها عند كل إطلالة له.
وآخر نشاطاته الدنكيشوتية لأديب المسرح السياسي المعاصر، لعبة الأوراق البيض على خشبة البرلمان في ساحة النجمة يوم الأحد الفائت، وقد استفاد من إعلان جعجع المبدئي لناحية التحفظ على آلية الانتخاب وليس على اسم المرشح، وكالعادة، لجأ عون الى لغة الايهام وتدوير الألفاظ ومعاني الكلمات، فكان التحضير عشية السبت، التي كانت ليلة القبض على السلطة بالنسبة للرجل الذي ما عاد يفقه معنى التسليم بأن كرسي الرئاسة تبخرت، وأن الرئيس التوافقي يتحضر لملء القصر الشاغر من سيده، وهو بعدما حارب باستشراس في الفينيسيا لكي يتم شطب اسم ميشال سليمان من ورقة القطريين، ولم يفلح… انتقل كعادته الى مناورة أخرى ولكن هذه المرة كانت في أروقة الشيراتون ـ دوحة، ولم يفلح أيضاً…
كان أن نقل الرجل همومه الى الرابية، فكان التعويض عما فاته من خسارة كبيرة، ليعود الى الالتفاف ومن جديد ليدبر مكائده ضد خصومه فكانت اللعبة المكشوفة، لعبة الخمس أوراق، لعله يوفق هذه المرة بالتأليب والتحريض…
ماذا نفعل يا شباب لكي نعوّض خسارة العرش؟
فكان الجواب بإعادة تموضع سياسي ديماغوجي، عبر ضرب عصفورين بحجر واحد…
نحن على أبواب انتخابات نيابية، وعلينا تحديد الخسائر منذ الآن، وعلينا الانقضاض على المسيحيين الآخرين، وأهمهم منافساً انتخابياً سمير جعجع… ما العمل إذاً؟
فرشوا الطرقات بلوحات إعلانية، مضمونها وشكلها فارغين من أي مصداقية، فلو حقيقة أن عون رجّع حقوق المسيحيين، لما كانوا بحاجة لاستدرار عطف الشارع المسيحي وتلقيمه وتلقينه عبر الدعاية الرخيصة لتسويق دور مفقود له، دور لم يلعبه أساساً في الدوحة، ولو كان كذلك، ولو أن الناس وتحديداً المسيحيين منهم صدقوا بدعة دفاعه عن حقوقهم لما لجأ الرجل الى اللوحات الاعلانية على الطرقات، وهذا دليل إفلاس سياسي وشعبي خاصة بعدما مُني بخسائر جسيمة في كل الانتخابات التي خيضت أخيراً بدء بالجامعات مروراً بنقابات المهن الحرة وصولاً الى معركته الدائمة باتجاه رئاسة الجمهورية.
الحجر الآخر الذي رماه كان للتصويب على علاقة القوات اللبنانية بالرئيس التوافقي، فكانت الخطة تقضي بوضع أوراق بيضاء في صندوقة الاقتراع يوم الانتخاب، خصوصاً وأن القوات اللبنانية كان لها تحفظاً على آلية الانتخاب، أي من ناحية الشكل الدستوري للعملية الانتخابية، وهذا ليس رأي القوات فحسب إنما رأي آخرين ومنهم مثلاً الرئيس حسين الحسيني، والنائب بطرس حرب، والوزيرة نائلة معوض…
عدد نواب القوات اللبنانية خمس، فكان الإقرار على وضع خمس أوراق بيضاء بهدف إيهام اللبنانيين بالدرجة الأولى التواقين لانتخاب رئيس أن القوات ضد هذا الاستحقاق وأنها هي من تعرقل وبذلك يطبّق عون المثل اللبناني الشائع "شيلي اللي فيكي وحطّي فيّي"…
وهنا نتساءل من كان منذ البداية ضد انتخاب رئيس للجمهورية؟
الجواب عون وحلفائه، وهذا الأمر حقيقة ناصعة واضحة لا لبس فيها ولا شك، خصوصاً بعدما أطل النائب ميشال المر وفضح مدى عرقلة عون ونوابه لهذا الاستحقاق، وتبعاً لذلك انسحب المر من كتلة عون النيابية، وطبعاً بدأت سهام البرتقاليين تتهم المر وكالعادة بفبركات وأسباب واهية.
السؤال الثاني الواجب طرحه: من رفض إدراج اسم ميشال سليمان بالتحديد في ورقة الفينيسيا؟ الجواب عون وحده من حارب الإسم حتى قبل دقائق معدودة من توقيع ورقة الفينيسيا، ولولا إبلاغ حلفائه أي حزب الله وأمل بأنهم ماضون في الوثيقة ولن ينسحبوا معه لما مشى وشارك في الدوحة! السؤال الثالث الواجب طرحه أيضاً وأيضاً: من هو صاحب فكرة إدراج بند على الوثيقة تشير الى ضرورة تشكيل حكومة انتقالية؟
الجواب عون وحده!
إذاً هذا الرجل كان واضحاً هذه المرة بعكس ما امتاز به طوال حياته، كان واضحاً أنه لا يريد أساساً انتخاب رئيس ومن ثم لا يريد العماد سليمان بالتحديد لاعتبارات عديدة ومتشعبة.
ولا مندوحة من التذكير هنا أن عون هو صاحب الاقتراح بتقصير ولاية الرئيس لمدة أقصاها سنتين في حال سيكون الرئيس هو العماد سليمان..
إذاً توريط القوات اللبنانية كان أمراً عاجلاً وملحاً ومطلوباً، والأوراق الخمس كانت لعبة دنيئة وسخة انكشفت فوراً، تماماً كما انكشفت ألاعيبه السابقة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الصورة المركّبة والمزوّرة على خلفية أحداث 23 كانون التي بيّنت أن عنصراً من القوات يصوّب بندقيته باتجاه الجيش، وعندما تم كشف التزوير قال عون "اللي أعطاني إياها غشّني"… القصة قديمة، قصة الحقد على القوات اللبنانية.. قصة عقدة لازمته تجاه سمير جعجع..
أتذكرون يوم زار عون سمير جعجع في زنزناته في اليرزة؟
أتعلمون لماذا كانت الزيارة وما الغاية منها؟
قبل الجواب، لفتة بسيطة، وللتذكير، فور عودته من سجن وزارة الدفاع عقد عون مؤتمراً صحافياً وأخبر اللبنانيين أنه زار الدكتور جعجع… إذاً المقصود من الزيارة استدرار عطف المسيحيين، وإظهار شخصه الكريم على أنه الأب الحاضن لجميع أبنائه، وتحديداً منهم القواتيين، وبالفعل هذه المسرحية أعطت نتائجها في صندوقة الاقتراع وتحديداً في المناطق المسيحية، فحصد تلك النسبة السبعينية، ولكن هو نفسه ذاك الأب الصالح صوّر للبنانيين أن القوات هي من وضعت الأوراق الخمس البيض، وكالعادة خلفية تحريضية تأليبية..
وأختم بالإمام علي كما بدأت: "إذا غضب الله على أمة غلت أسعارها وتملّكها أشرارها".