إنه انقلاب التسوية على انقلاب السلاح!
انتخب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية اللبنانية بإجماع عربي دولي وداخلي كمجسد للتوافق الذي تضمنته بنود اتفاق الدوحة. ونظن أن الرئيس سليمان، من ضمن ذلك، ذاته جاء عبر منعطفات ومفترقات وتصادم تواريخ، سبق أن مرّ بمثلها البلد منذ الاستقلال الأول وحتى اليوم. أي توافق المفارقات، ومفارقة التوافقات بما تمثل من تمايز وصدام بين الاتجاهات والأزمنة والأفكار والعقائد والأنظمة والأحزاب والمصادر والمراجع. كأنها، ولوهلة، تقدمت كصراع "حضارات" داخل "الحضارة" الواحدة، وصراع أنظمة داخل "النظام" الواحد، وصراع "جغرافيات"، داخل الجغرافيا الواحدة، وصراع "جمهوريات" داخل الجمهورية الواحدة. كأنما التوافق أتى كعنصر جامع لهذه التوافقات المتصادمة، أو الضمير الظاهر لكل التناقضات المضمرة. يقال إنها التسوية، أو الوفاق، أو خيار الوحدة، أو التوحيد. ربما كل ذلك، وربما لا شيء من ذلك. وربما شعار الوحدة (ومشتقاتها) يشجر المكونات، وربما شعار الوفاق يصيب البنى، والينابيع. لهذا بالذات يأتي الرئيس سليمان. وكأنه، من خلال خطاب القسم تحويل لمسارات هذه التفارقات ـ التوافقات إلى صلب ما يعتملها من تشققات، وتفريعات، تراكمت عشرات السنوات، وبعشرات الحروب، لتطفو، بكل هشاشاتها، حتى عبر اتفاقات التسوية منذ 1958، فالى الوثيقة الدستورية (1977)، فإلى الطائف (1990)… فكأن كل تسوية كانت تحمل هشاشاتها معها! (كأنها فخاخ) …فإلى الدوحة.إنها المراحل التي كانت محطات لاهتزاز الميثاق ـ الدستور وتحولاته، ومعالجاته بالصدمات الحربية، والنزاعات الطائفية كتظهير للصراعات المحلية بالأصول العربية ـ الدولية، من دون أن ننسى العدو الصهيوني وأدواره الملتبسة.
اليوم، عندنا اتفاق الدوحة الذي طفا على الطائف من دون أن يُغرقه، ربما، انتظاراً لفرصة أخرى! لكن، برغم كل شيء، عندنا اتفاق سعى اليه كل الأطراف العربية والمحلية، وَتُوِّج بانتخاب سليمان، وتكليف السنيورة تأليف أول حكومة للعهد، والحكومة الاستقلالية الثانية، بعد نحو سنتين من محاولات انقلابية عديدة، كان آخرها الانقلاب المظفر الذي ارتكب في بيروت، والجبل (ونتيجته وخيمة) والشمال والبقاع.
فهل ترى يمكن اعتبار اتفاق الدوحة انقلاباً على المحاولات الانقلابية التي قامت بها جماعة 8 آذار بقرار ثنائي من الخارج؟
كلنا يعرف انه بعد خروج النظام الأمني المشترك المتمثل بالوصايتين، وملحقاتهما، ومستتبعاتهما، وتسلم الأكثرية عبر انتخابات نيابية الحكومة (لا الحكم، ولا البرلمان) والديموقراطية، كان على القوى المضادة لكل ذلك ان تعيد كل شيء إلى الوراء. (قوى الماضي) أي الى زمن الانتداب الثنائي، عبر تعطيل كل شيء. كل ما يمس الكيان والجمهورية والشرعية، والدستور والمؤسسات بممارسات عرفناها على امتداد الانقلابات الجغرافية، والطائفية والمذهبية والاجتماعية والسياسية منذ 1969 وما قبل. فاللافت أن هذه القوى التي يهيمن على قرارها حزب الله (الذي قاد المقاومة مظفرة ضدوالعدو الصهيوني وله علينا ما له بلا حساب، ولنا كشعب عليه ما لنا). اذاً عودة ميليشيوية (بعد مقاومتين: وطنية واسلامية) وقوى أمر واقع، واختراقات على كل مستوى. لكنها مستولدة، بخطابها (التخويني) من أراشيف الخطاب العربي منذ الخمسينات حيث كان لكل نظام عربي أن يخوّن نظاماً آخر على غير سياسته وهكذا دواليك ومستولدة بوسائلها من عنف الحروب التي عرفناها مع استلهامات حروب العالم الثالث ولا ننسى المضامين الأيديولوجية والثقافية التي انخرطت على غير سبيل في هذا الأتون، وكان من نتائجها المباشرة وغير المباشرة نهاية زمن "أفكار" وعقائد لكثير من الأحزاب والحركات اليمينية واليسارية والليبرالية وكأن تلك الحروب حسمت العوامل الثقافية المشار إليها، اي (السياسية) لمصالح أخرى متمثلة بالطائفية: فطُيّفت اليسارية واليمينية ومُذهبت الثقافة: وكانت تلك من الضربات الموجعة التي أصابت مضامين تلك الأحزاب "التاريخية" و"القومية" (على أنواعها) والأيديولوجية، والمحصلة: ان تحولتْ هذه الأحزاب (التاريخية) مجرد هياكل فارغة إلاّ من العنف، والسعي عبر الارتهان إلى السلطة: هياكل وبنى مفرغة حتى من معتقداتها وأهدافها ومصباتها وينابيعها. وكان كل ذلك من التلاويح والاشارات إلى نهاية الصراعات الفكرية والثقافية لتحل محلها الصراعات المذهبية، فتختلط الأمور في سديميات وامتزاجات والتباسات، لم تعد تميز عبرها بين حزب يدعي الفكر وبين حزب تبنّى الطائفية، وبين حزب يستلهم العلمانية، وآخر وظف مخزونه التغييري لتعزيز الظواهر الطائفية.
وقد جاءت معظم الاتفاقات بعد الحروب والخراب، لتدفن شيئاً من جوانب تلك الصراعات الثقافية، وارثة التنوير والنهضة والتعدد، لتصبح على شاكلة الأنظمة التي تغذيها:أحادية، قمعية، مفرغة إلاّ من شعاراتها، واتهاماتها، ولاديموقراطيتها وصولاً إلى ترسب ترسمها في لاأنظمة مذهبية (بعدما كانت علمانية أو عروبية) أو طائفية، إلى الدرك الأخير: المناطقية ـ العائلية! (أنظمة ثورية رائعة!) وهذا يعني أن معظم الاتفاقات التي تمت كانت تنهش، الواحد بعد الآخر، تميزات النمط اللبناني، أو الاستثناء اللبناني حتى كاد أن ينقرض. فمن الطبيعي أن "تبتكر" الأنظمة عندنا (وعندها) ما يشبهها: تستنسخ منها عندنا: توتاليتاريات مصغرة من أيام الستالينية، والنازية والصهيونية!
فهل جاء اتفاق الدوحة ليجهز على ما تبقى من ذلك الأرث التنويري. والخصوصية اللبنانية، تحت عنوان الوفاق، أو الوحدة الوطنية، لا سيما عندما جاء هذا المؤتمر بعد سلسلة من الانقلابات الفاشلة، (معظم الأنظمة المرتبطة بانقلابيينا انقلابية استبدادية) لا سيما بعد اجتياج بيروت في حرب غير متكافئة: عسكرياً "أقوى" وشعبياً أضعف: أي أقلية (كما الأنظمة) تهيمن على أكثرية (في بيروت) بقوة السلاح، واذا عرفنا أن السلاح الذي استخدم من مخازن "المقاومة" وأن المسلحين من معسكراتها يصبح هذا الجنوح أخطر، وأقسى أي تنفيذ المشروع السياسي لحزب الله (المرتبط كما أكد السيد حسن نصرالله بولاية الفقيه لا بولاية "الشعب" اللبناني وهو أكبر من كل ولاية طائفية أو خارجية: أَوَلمْ تكن حروب العشرين عاماً الفائتة حروب "ولايات" الفقيه الخارجية على النموذج اللبناني؟) بالقوة أو التنكيل، واحراق الصحف والتلفزيون (المستقبل) لتكتمل أحادية شمولية تضرب "تعددية" بيروت في صميمها.
بعد هذه "الهمروجة" الدموية في بيروت وفي الجبل (عشرات الصبية والكهول والنساء انتصروا على المعتدين بوسائل بدائية كالجفوت والبنادق والسكاكين: وهذا ما حصل في مختلف المناطق: اذاً نصر وهمي في بيروت لغياب الخصم المسلح، وخسارة حيث كانت مواجهة في حدودها الدنيا: وانه لدرس عظيم!)، وبعد ادعاء انتصار عسكري من طرف واحد كان لمؤتمر الدوحة وبرعاية عربية (قطرية) ان يبحث في ما تبقى من "الاستثناء" اللبناني على سلبياته الكثيرة، او "الخيار" اللبناني، من ضمن تسويات جزئية، ابقت كل شيء على حاله إلاّ في حدود التفاصيل لكن، عبر تعميق "الجروح" في البنية أو ما تبقى من البنى الديموقراطية لا سيما المجتمع المدني. (لأن كل الحركات الانقلابية كانت تستهدف المجتمع المدني نفسه وأدواته)، على انه برغم هذه الجروح، لم يكن لانقلابيي 8 آذار ذوي الوصايتين، ان ينالوا ما كانوا يظنونه لنصرهم أو يترجمونه سطواً على النظام أو السلطة أو الجمهورية. وهذا ما توجّه وعبر عنه خطاب القسم للرئيس سليمان، وتكليف الأكثرية السنيورة لتأليف الحكومة: وما بين الحدثين وسائل "واعدة" ومتوعدة: كلامية اطلقها السيد حسن نصرالله بنبرة عالية (رد اً على خطاب القسم)، وأمنية ترجمت اعتداء على مناطق بيروتية، وسقوط ضحايا وشهداء: إذاً وصلت الرسالة: لا للنموذج اللبناني المعهود العديد والمتعدد، ولا لعودة الجمهورية كاملة ولا لسيادة السلطة على كامل الأراضي اللبنانية: فلنا جمهوريتنا (ولاية الفقيه مطعمة ببعض الطرابيش المثقوبة)، ولكم جمهوريتكم، ولنا سلاحنا ولكم سلاحكم، ولنا دولتنا ولكم دولتكم، ولنا "شعبنا" (أشرف الناس!) ولكم شعبكم ولنا بيت مالنا… ولكم بيت مالكم!
انه مجرد تذكير، او انذار لسليمان، ان انتبهْ وتذكرْ مآلات مَنْ قبلك. ومَنْ بعدك.
والانذار (التهديد) الآخر وُجّه للسنيورة نفسه عبر "تخمين" (الغيوب والنبؤات سائدة في بلاد فارس) ان القوات اللبنانية رشحت السنيورة لتغتاله. (هذه اللغة ألفناها جيداً ممن كانوا، يتهمون الآخرين بالعمالة ثم يغتالونهم ليتهموا اسرائيل اوأطرافاً داخلية: حديث خرافة يا أم عمرو).
أما الشغل على الأرض، أي تأليف الحكومة فقد يطول وقد يقصر بحسب الضغوط الخارجية والعلاقات. لكن، وفي جميع الحالات سيحاول "الانقلابيون الدمويون" بالطرق القديمة ذاتها الحصول على وزارات حساسة متصلة بالدفاع (سلاح حزب الله وتسليم الجيش)، أو بالداخلية (الانتخابات المقبلة) أو بالمالية (الامساك بالقرار الاقتصادي) أو الخارجية (تسليم مقدراتها إلى الوصايتين تهيؤاً للمحاكمة).
صحيح أن اتفاق الدوحة قد يكون اسقط مؤامرة كبرى على لبنان (اسقطت فعلياً بعد فشلهم بالسيطرة على الجبل)، وقد يكون أَجّل ساعات الصفر، وقد يكون هدنة (قد لا نعرف مدتها) لأن من يعرفون موجودون في الخارج)، أو تسوية محددة، لكن الصحيح ايضاً انه اياً تكن النتائج والظواهر فقد اصاب الاستثناء اللبناني مزيداً من الهزات، ومزيداً من الجروح، في اتجاه حسم الخيارات: من خيارات ثقافة الحرية والاستقلال والسيادة والتنوع والعدالة والديموقراطية والحياة، الى خيار ثقافة الاستبداد والشمولية وتحويل لبنان محميات كانتونية والحروب والموت.
قد يكون كل ما نسوقه "مخيفاً" ويستدعي الوساوس والقلق (باعتبار ان بعض 8 آذار… سيستكمل مشروعه الانقلابي المهزوم) ولكن اندفاع الناس في هذه التحركات السلمية، والاحتفال بالسلم الأهلي، هو في العمق، اندفاع يعبر عن التمسك بالدولة أولاً (سليمان مجسد آمالها) وعن احتقار السلاح، واللجوء اليه، وعن التشبث بالسيادة، وعن الحرص على الاستثناء اللبناني، بخلفياته الاجتماعية والمدنية: فالمجتمع المدني كان في السوليدير يحتفل بانتخاب سليمان رئيساً، وبسقوط منطق السلاح… وبفشل محاولة انقلاب جديدة: لم يكن التجمع الجماهيري مجرد تجمع فني أو احتفالي او تطريبي أو غنائي فقط، بل كان ترجمة لارادة اللبناني بنجاة "جمهوريته" من المخاطر المتمثلة بالحرب الأهلية والتقسيم والاغتيالات وضرب الدستور وهتك الشرعية المستمدة من أكثرية الشعب.
وهذا ليس جديداً: فقد ساهم الجمهور المنتمي إلى روح الاستثناء اللبناني (السيادة، الديموقراطية، التعدد) في كسر العديد من المحاولات الانقلابية للدفاع عن قيم الدولة الواحدة. وها هو يُلبِّي من جديد (بالرغم من الاعتداء عليه في سوليدير، كيف يتم اتخاذ قرار حزبي مركزي للاعتداء على ناس يحتفلون بانتخاب رئيسهم به. ناس مدنيون عزل؟) النداء: نداء الوحدة في التنوع (لا "الوحدة المزيفة المفروضة بـ 99.990% أو ما شابه. وحدة تحويل المواطنين إلى مجرد قطعان للطاعة والامتثال)، نداء الحرية التي تحفظ حقوق كل الناس بالتعبير والحياة والسلوك الفردي؛ وحدة مواجهة كل عدوللبنان بقرار جماعي شرعي، بقرار الدولة اللبنانية بمكنوناتها الدستورية: وحدة التصدي لكل محاولات ضرب الاقتصاد اللبناني (خدمة لاسرائيل وما أكثر خدم اسرائيل المتبرقعين بالشعارات الرنانة) وحدة محاربة الجوع والهجرة والتهجير من قِبَل الذين يرسمون ليجوعوا الناس لمصادرتهم وتوظيفهم في مخططاتهم الحزبية، وحدة حماية المؤسسات الدستورية والقوانين في وجه الخارجين عليها، من أهل الكانتونات المعلنة، وأهل القرارات الأحادية…
انه الجمهور المتنوع طائفياً وسياسياً وفكرياً كأنه يصرخ من كل قلبه ويقول: سنحمي لبنان الاستثناء من كل القوى اللبنانية، والطواغيت، والمنفوخين بالنرجسيات العمومية والذاتية والفردية… استكباراً وتعالياً. هذه الجماهير كانت جاهزة طيلة السنوات الثلاث الماضية لصد الانقلابات الدموية والتخريبية… وها هي اليوم تعبير صارخ عن رفضها كل منطق انقلابي، وكل وصاية، وكل ارتهان… وكل ولاية لا تكون من ولاية الشعب اللبناني وارادته وتاريخه ومستقبله.