حتى لا تتكرر تجربتا فرنجية مع عرفات وسركيس مع الجميّل
رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ليس الرئيس السابق العماد أميل لحود، ولكنه أيضاً لن يكون أميل لحود المعكوس، بمعنى آخر هو لن يواجه قوى "ثورة الأرز" بأمر من دمشق أو طهران وجماعتهما، ولكنه لن يواجه قوى "شكراً سوريا"، بأمر من أي عاصمة دولية أو إرضاء لأي مركز قيادي في لبنان.
وهذا يفيد أن الرئيس سليمان، بغض النظر عن الرهانات الصائبة على وطنيته ووسطيته ورصانته، لا يستطيع أن يكون مع قائد "الثورة الإسلامية في لبنان" السيد حسن نصرالله، أقوى مما كان عليه الرئيس الراحل سليمان فرنجية مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، قائد الثورة الفلسطينية، أو مما كان عليه الرئيس الراحل الياس سركيس مع قائد "المقاومة المسيحية" الرئيس الشهيد بشير الجميل.
وبناء عليه، يُخطئ العاملون على ترسيخ مفهوم الدولة والمؤسسات والمتطلعون الى إستقلال ناجز، إن هم اعتبروا أن معركتهم السياسية انتهت بمجرد وصول رئيس لبناني الى القصر الجمهوري، وبالتالي بات بإمكانهم أن يدخلوا في معارك الزواريب السلطوية الشخصية أو الحزبية أو الفئوية، ذلك أن أي تضعضع يُصيب جبهة قوى الرابع عشر من آذار، يعني إضعافاً لرئيس الجمهورية وإفراغاً لخطاب القسم من قدراته التنفيذية، على اعتبار أن قوة الرئيس سليمان بالذات، وحتى إشعار آخر، تكمن تحديداً وحصراً في قدرته الحاسمة والأكيدة على أن يكون حكماً بين طرفين قويين.
وفي هذا الإطار، ثمة من يلفت الانتباه الى أن ما حصل في لبنان عسكرياً يُمكن أن يتكرر سياسياً.
كيف ذلك ؟
من الواضح بعد كل الدراسات الأولية التي أُجريت لما حصل في العاصمة والجبل بدءاً بليل السابع من أيار الماضي، أن الفخ الذي نصبه "حزب الله" في منطقة مار مخايل للجيش اللبناني هو المسؤول الأول عن استباحة بيروت في غزوة الثامن من أيار الماضي، لأن كثيراً من ضباط الجيش اللبناني وضعوا أمام أعينهم نموذج رفاقهم الذين وقفوا في وجه العملية المنظمة في مار مخايل.
ومن الواضح أيضاً، أن تأخر اتصال الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله لتهنئة العماد ميشال سليمان بانتخابه رئيساً للجمهورية، كان هدفه الأول والأخير أن يأخذ الرئيس سليمان وقته في قراءة معطيات "خطاب النصر" في الذكرى الثامنة للتحرير التي هي في كثير من مفاصلها النقيض الكامل للمعطيات التي أوردها الرئيس سليمان في خطاب القسم.
ويؤكد كل من يفقه "ثقافة العسكر" ـ والعماد سليمان إبن شرعي لهذه الثقافة أن الاستراتيجية ليست عملية عقائدية بل هي عملية حسابية، وهي ليست مبدأ راسخاً بل هي مجموعة بدائل تستند الى موازين القوى، بحيث تكون خطة الانسحاب بأهمية خطة الهجوم من جهة أولى كما تكون خطة الحد من الخسائر على قياس خطة الدفاع، من جهة ثانية.
لماذا هذه المقدمة؟
هي ببساطة، لأن ثمة من يعتبر ـ في أفعاله ـ أن المعركة السيادية الكبرى انتهت وبدأت مرحلة المحاصصة وحفظ المواقع وتعزيزها. وهذه بالذات الخطة التي يوحي بها "الخصوم" لقوى في تحالف الرابع عشر من آذار، فهم في الوقت الذي يسلّمون دفة القيادة لنصرالله الذي يريد كل لبنان وليس مجموعة وزارات، تجدهم يستفزون القوى المنضوية في التيار السيادي، بتوزيع النسب النيابية المقبلة وبفبركة منتصرين ومهزومين وبفتح بورصة توزيرات متناقضة هدفها فتح "معركة إلغاء"، من جهة أولى واستثارة غريزة السلطة من جهة ثانية.
في حين يعتبر البعض أن المشهد يجب أن يكون مختلفاً جذرياً، بحيث تجتمع قيادات الرابع عشر من آذار وتضع تصوراً واضحاً للطريقة الواجب التعاطي بها مع الرئيس سليمان، أولاً ومع "سلّة التوزير" ثانياً ومع التمهيدات الانتخابية ثالثاً، ومع المشاعر الشعبية رابعاً ومع عواصم القرار خامساً، ومع مستقبل المحكمة الدولية سادساً، ومع مصير التحقيق الدولي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في ضوء بدء الانفتاح الدولي على دمشق من بوابة المفاوضات السورية – الإسرائيلية، سابعاً.
وهنا بالتحديد، يبرز السؤال الكبير عمّا ستفعله قوى الرابع عشر من آذار مع "وثيقة لبنان بلد الحياة" التي وضعها مؤتمر "بيال" قيد النقاش، قبل أن تتبلور الى أفكار تفصيلية في ورشات العمل التي انعقدت لاحقاً؟
بطبيعة الحال، إن انتخاب رئيس للجمهورية هو إنجاز كبير في ذاته، ولكنه ليس سوى خطوة كبيرة على طريق ترسيخ السيادة وتأسيس الدولة، الأمر الذي يفترض "مراعاة" حاجة الناس الى التهدئة من جهة أولى ومراعاة حاجة الرئيس سليمان الى توازن استراتيجي يحمي لبنانيته التي تجلّت في خطاب قسمه، من جهة ثانية.