"جزرة" كبيرة لسوريا في مقابل ماذا؟
لا يساور المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة نفسها وبعضها اميركي أي شك في صدق رغبة سوريا واسرائيل في التوصل الى سلام بينهما بعد عقود من النزاع شهدت حروباً ثلاثاً مباشرة وحروباً كثيرة غير مباشرة كان اكثرها في لبنان اولاً، بواسطة "فلسطينييه" والفلسطينيين الذين "تسللوا" اليه بتسهيل منها عام 1970. ثم، بواسطة اللبنانيين. مع الاشارة الى ان الحروب ونتائجها غير المباشرة هذه كانت الاكثر ايذاء وإيلاماً للاسرائيليين وخصوصاً عامي 2000 و2006.
لكن المسألة التي تشغل جميع المعنيين بالمساعدة لاحلال سلام سوري – اسرائيلي وتالياً سلام فلسطيني – اسرائيلي ينهي الصراع العربي – الاسرائيلي المزمن وتجعلهم يتخوفون احياناً من اصطدام المفاوضات غير المباشرة الجارية حالياً بين دمشق وتل ابيب واي مفاوضات عربية – اسرائيلية اخرى بجدار الفشل، هي ضعف كل من سوريا واسرائيل وتحديداً النظام السوري ورئيسه بشار الاسد وحكومة اسرائيل ورئيسها ايهود اولمرت. فالاخير يستطيع ان يتخذ قراراً باعادة الجولان المحتل عام 1967 الى اصحابه السوريين كاملاً اي حتى حدود الخامس من حزيران من ذلك العام اي حتى شاطىء بحيرة طبريا رغم تراجعه عملياً بفعل عوامل طبيعية عدة. لكنه سيحتاج لتنفيذ هذا القرار او بالأحرى لاتخاذه الى قرارات اخرى يتخذها الرئيس السوري بشار الاسد تتناول مسائل عدة هي مصدر قلق لاسرائيل مثل قطع الإمداد العسكري وغير العسكري عن "حزب الله" اللبناني الهوية والايراني الايديولوجيا والرعاية وابتعاد سوريا عن الجمهورية الاسلامية الايرانية مسافة معقولة بعدما وصلت علاقاتهما الى حد الالتصاق لاعتبارات كثيرة بعضها معروف ومعلن وبعضها الاخر معروف وغير معلن وبعضها الاخير غير معروف وغير معلن.
والسؤال الذي يطرحه المعنيون بالسلام على المسار السوري كما على المسارات الاخرى، ودائماً استناداً الى المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة نفسها وبعضها اميركي، هو هل يستطيع الرئيس بشار الاسد ان يعطي رئيس وزراء اسرائيل ايهود اولمرت ما يحتاج اليه كي يتمكن من تجاوز اعادة هضبة الجولان المحتلة الى سوريا والتي تعارضها غالبية اسرائيلية، وتالياً مواصلة حياته السياسية من دون اي اخطار؟ (علماً ان حياته السياسية هذه تبدو مهددة الآن ليس بسبب الجولان وانما بسبب فساد إتهم به وتحقيق يجري معه حول ذلك قد يؤدي الى اصدار قرار اتهامي بحقه الامر الذي ينهيه سياسياً). والسؤال الثاني الذي يطرحه هؤلاء هو: هل ان الرئيس السوري قوي كفاية كي يتمكن من احتمال خوض معركة السلام مع اسرائيل الى نهايتها؟ طبعاً لا يقدم المعنيون اصحاب السؤالين المطروحين اعلاه اي جواب عنهما.
ماذا سيكون موقف الدول العربية الكبرى مثل المملكة العربية السعودية والقوة الدولية الاعظم اليوم اي الولايات المتحدة من عملية السلام السورية – الاسرائيلية غير المباشرة حتى الآن ومن سوريا تحديداً وخصوصاً بعدما ساد التوتر علاقات هذه الدول في السنوات الاخيرة لاسباب كثيرة ابرزها القضية اللبنانية او بالاحرى لبنان كله وبكل قضاياه؟
تقول المصادر الديبلوماسية الغربية اياها جواباً عن ذلك ان أياً من الدول المذكورة اعلاه لا تعارض عملية السلام التي بدأت بين سوريا واسرائيل. لكن لديهما شكوكاً جدية اولاً في الهدف الذي تريد سوريا انجازه وهل هو السلام ام فقط تعزيز وضع اقليمي – دولي يعيد اليها وضعاً مميزاً في المنطقة وخصوصاً لبنان؟ وثانياً، في المدى الذي تريد اسرائيل الوصول اليه وفي الهدف الذي تريده وهل هو دفع العالم والعرب خصوصاً الى صرف النظر عن جوهر الصراع اي قضية فلسطين؟ وثالثاً، في قدرة الادارة الاميركية الحالية المشارفة الرحيل عن البيت الابيض على تقديم ما يمكِّن عملية السلام من النجاح اياً يكن مسارها.
لكنها تقول في الوقت نفسه ان هناك اشارات الى استعداد العربية السعودية ومصر وحتى اميركا ولكن طبعاً في ظل رئيسها المقبل اي بعد نحو ثمانية اشهر، لوضع شيء من الماء في نبيذهم كما يقال حيال سوريا اي لترطيب العلاقة معها في شكل او في آخر. ويعني ذلك اعادة الرياض والقاهرة العلاقات مع سوريا الى الوضع الذي كانت عليه قبل توترها بل قبل اقترابها من حال الانفجار فالانقطاع. ويعني ايضاً تسهيل الولايات المتحدة انضمام سوريا الى منظمة التجارة العالمية والسماح لشركات النفط بالتنقيب عنه في الاراضي السورية ورفع العقوبات التي حجبت الاستثمارات الاميركية وغير الاميركية في الماضي داخل سوريا. الا ان كل ذلك لن يكون مجانياً. اذ على سوريا ان تقدم مقابلاً له هو قبولها بالمحكمة الدولية وعدم العمل لعرقلتها بأي وسيلة كانت وعدم الالحاح على التوصل الى "صفقة" مع اميركا تتعلق بلبنان وتكون على حسابه.
ذلك ان كل الجهات والقوى المعنية من اقليمية ودولية او على الاقل غالبيتها الساحقة ترفض عودة للجيش السوري الى لبنان وان بذريعة تكليفه مهمة ضبط "حزب الله" وغيره او اعتباره المؤهل لتنفيذ مهمة كهذه. وكل ما يطلبه الاميركيون وحلفاؤهم من سوريا بشار الاسد او سيطلبونه هو قطع الإمدادات العسكرية عن هؤلاء سواء تلك الآتية من ايران او من غيرها، و"اقناع" حلفائها اللبنانيين بفك تحالفهم مع "حزب الله".
طبعاً تشيع هذه المعلومات بعضاً من الامل الذي يحتاج اليه اللبنانيون في هذه الايام كما العرب وأهل المنطقة، لكن هل هي ثابتة أم أن الشك في صحتها يبقى منطقياً؟ لا أحد يملك جواباً عن هذا السؤال. وما يملكه الجميع هو الانتظار.