حكومة الاتحاد الفيديرالي!
نبيل بو منصف (النهار)
أغلب الظن أن الدهشة والبهجة اللتين عصفتا باللبنانيين وهم يتلقون بشرى تسوية الدوحة كانتا دون الانبهار الذي حلّ بهم وهم يشاهدون "الصفوف" المنتظمة لسياسييهم تتقاطر على الاستشارات النيابية في ساحة النجمة المحتفية بأيام الافراح العارمة أسوة بساحات وسط بيروت كلها.
بفعل خارق وسحر ساحر، حلّت الوداعة الديموقراطية وانقلب الخطاب السياسي من ذروة التفجر الحربي التحريضي القتالي والمتخندق بالكراهية والعدائية الى ما يناقضه تماما وكأن سحر السلطة العتيدة وفّر الوصفة الناجعة والشفاء المضمون وأزال الالتهابات المزمنة في يومين فقط.
مشهد افتقده اللبنانيون منذ زمن طويل، بشكلياته وطقوسه هبط عليهم متوجا نهاية سعيدة لشهر أيار معاكسا البدايات المتفجرة والعاصفة والمنذرة بويل عميم، حتى ان تدفق المؤمنين على معبد سيدة حاريصا كاد يسابق التدفق على وسط بيروت احتفاء بنهاية عجائبية للشهر المريمي.
أداء ديموقراطي غير معهود، كاد اللبنانيون يعتقدون أنه هجر سلوك سياسييهم منذ اندلاع الازمة قبل نحو سنتين، عاد بعد أيام قليلة من انتخاب رئيس الجمهورية وانتظام قصر بعبدا بوجود سيده الجديد. فاذا بالمعارضة تعارض ولا تقاطع، واذا بالموالاة توسع صدرها وتعرّض منكبيها.
قبل يوم واحد من استشارات ساحة النجمة رفضت المعارضة ترشيح "السيد" فؤاد السنيورة مستعملة حقا ديموقراطيا في الرفض. وفي اليوم التالي تقاطر المعارضون اسوة بالموالين لملاقاة "دولة الرئيس المكلف" وايداعه مطالبهم مما لذّ وطاب من مقاعد وزارية وحقائب سيادية وخدماتية حاملة كل وعود الدخول المتعاظم بأبهة التسوية الى جنة السلطة والحكم. أفرط الموالون والمعارضون في ابراز الشهيات المفتوحة سواء على عودة العائدين القدامى من وزراء استطابوا الكراسي او على ادخال أفواج طارئة على هذه النعمة المكتسبة بفعل تسوية الدوحة التي فتحت باب كهف الكنوز. أغرق المعارضون والموالون الرئيس المكلف بشبكة المقاعد المتقاطعة والطوائف المتشابكة والمذاهب المتدافعة. ولكن لا بأس، فاغراق كهذا ناجم عن شهية مفتوحة لدخول الجنة التي اصطفي الرئيس السنيورة لتمديد ولايته فيها، هو الآخر، هي افضل معمودية لاختبار قدرته التوافقية رئيس حكومة متجددا منفتحا، أسوة بمعمودية أخرى تكتسب دلالاتها يتعين على رئيس الجمهورية خوضها للمرة الاولى بغير النظم العسكرية. ولعل أفضل ما تسلح به الرئيس سليمان من أول الطريق وبداية الغيث هو كتاب الدستور، فليس ما يقويه على شركاء أقوياء ذوي مراس صعب وطويل ومحنك في أحابيل السياسة سوى التمترس وراء الكتاب. واما توزيع المقاعد والحقائب والمناصب، ومهما طال مخاضه وتعقد مساره، فهو آيل الى هدية أخرى سينالها اللبنانيون، حين يعاينون ولادة حكومة ائتلاف الموالاة والمعارضة مبشرة بقيادة جماعية غير مسبوقة لاتحاد الاكثرية والاقلية حيث لا يسري قرار الا بارادة فيديرالية. فالصراع المحتدم على الحقائب ذات الخصوصيات الموصوفة ليس سوى امتداد "مهذب" للصراع الذي سبقه، حتى كادت الحقائب بدورها "تطوّب" اقطاعات لهذا الفريق او ذاك او لهذه "الدويلة" او تلك. ومع ذلك سيهلل اللبنانيون لهذا الاتحاد العريض للقوى والنفوذات والمصالح وسيسألون ماذا سيحل بالمشاريع والقضايا الكبرى والايديولوجيات؟