#adsense

الأكثرية مسؤولةٌ عن إنهاء “الضباب” السائد

حجم الخط

لأنّ المرحلة لا تحتملُ انعطافات "استراتيجية" ولأنّ الإنتخابات المقبلة "مناخٌ" يتشكّل منذ اليوم
14 آذار مسؤولةٌ عن إنهاء "الضباب" السائد
نصير الأسعد (المستقبل) 

من يراقب المشهد السياسي اللبناني خلال الأيام القليلة الماضية، خاصة منذ إستشارات التكليف الاربعاء الماضي وصولاً إلى بداية تشكيل الحكومة الجديدة، يكاد لا يصدّق انّ البلد خارج من أزمة استمرت سنة ونصف السنة وبلغت في أيامها الأخيرة حدّ حرب داخلية.. ولو من جانب واحد.
فأن يكون الناسُ ـ أي اللبنانيون ـ توّاقين إلى العيش والسلام والحرية، وإلى إستدراك ما فاتهم خلال المرحلة السابقة، فذلك أمرٌ مفهوم تمامآً، بل هو حقّ طبيعي لهم بعد أن أنهكتهم الأزمة.

وأن تكون القيادات السياسية وفّرت هذه الفرصة للناس، باتفاقها في الدوحة، فذلك ليس فقط أمراً مفهوماً، بل لعله كان فعلاً متوجباً عليها.
الإستغراقُ في تشكيل الحكومة مفهوم بيد أنّ ما يلفت الإنتباه يتعلّق بجانبين رئيسيين.

الأول انّ القيادات تبدو مستغرقة في هذه الأيام بالحكومة العتيدة تسميةً لوزراء وتوزيعاً لحقائب وزارية من جهة ومتحفّزة للإنطلاق نحو المسار الإنتخابي من جهة ثانية.

هذه مسألةٌ طبيعية في "لحظة" تشكيل الحكومة، وعلى مسافة نحو عام فقط من الإنتخابات النيابية.

ملاحظات وأسئلة حول "الإستراحة"

أمّا الجانب الثاني ـ في المقابل ـ فهو ما يبدو وكأنه "إستراحة" لـ"الصراع" السياسي، حيث تبرز ملاحظات وأسئلة عديدة.

ليس واضحاً بعد ما هو "إتفاق الدوحة" وما المعادلات التي "أملته". ثمّة تقديرات وتحليلات لكن لا معلومات ولا تأكيدات بشأنه.
وليس من قراءة واحدة لهذا الإتفاق لدى جميع القيادات.

هل هو تسوية "فعلية" قضت بأن يكون لـ"المعارضة" الثلث المعطّل لقاء "أخذ" السلاح إلى نقاش حاسم في ما سمّي "الإستراتيجية الدفاعية" وإلى هدف واضح بعنوان بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية؟
أم هو تسويةٌ أخذت "المعارضة" بموجبها الثلث المعطّل لقاء إعطائها "وعداً" بمناقشة موضوع السلاح أو لقاء إعطائها "وعداً" بحوار مقرر له سلفاً ألا يكون حاسماً في أمد منظور؟

هل ان "إتفاق الدوحة" بمثابة "تسوية انتقالية" إلى أن تنجلي "صورة" الوضع الإقليمي، بعد الإنتخابات الرئاسية الأميركية تحديداً، فتكون هذه "التسوية الانتقالية" متحركة أي مفتوحة على إعادة نظر في ضوء التطورات؟.

ما هي التقاطعات الإقليمية والدولية التي "فرضت" الإتفاق؟ وهل كان لـ"العامل" اللبناني دور في إنتاج الإتفاق، بمعنى هل كان نتيجة لحاجة لدى أحد الأطراف أو جميعها، أم نتيجة مأزق أحد الأطراف أو جميعها أم "إستراحة" وحسب؟.

قيادات 14 آذار وواجب الشرح

إنّ القيادات السياسية مسؤولةٌ عن "الشرح" والتوضيح، ليس لأنّ الذين يستطيعون قراءة التطوّرات وحلّ الكلمات المتقاطعة غير موجودين، بل لأنّ المطلوب فعلاً تحديد دقيق لطبيعة المرحلة السياسية ولعناوين المرحلة المقبلة.
فالتحديد الدقيق سيسمحُ ببلورة الآفاق. لماذا؟.

لأنّه سيمكّن من التعرّف إلى الهوية السياسية للحكومة قيد التأليف. هل هي حكومة وفاق ومصالحة؟ وعلى أي تفسير لـ"إتفاق الدوحة"؟. وإذا كان رئيس الجمهورية ميشال سليمان أعلن عهده عهداً للوفاق والمصالحة، هل تستطيع الحكومة العتيدة إنجازهما خلال أقل من عام؟.
أم تُراها حكومةُ الإنتقال بلبنان إلى مرحلة الإنتخابات النيابية مع كلّ الاحتمالات التي ينطوي عليها الوضع الإقليمي؟ أم هي حكومة مواكبة لتطوّرات الخارج؟ وأي مواكبةٍ ستكون؟.

وهذه الملاحظات والأسئلة تُطرح لأنّ الجواب عليها وعنها سيمكّن من تحديد أي إنتخابات نيابية ستكون العام المقبل. هل هي إنتخابات تلي وفاقاً ومصالحةً أم إنتخابات في إطار "إدارة أزمة" أم إنتخابات في سياق معركة سياسية يفترضُ أن تكون نتائجها حاسمة؟.

"الضباب"

وبصراحة، فإنّ القصد من الملاحظات والأسئلة الآنفة وغيرها الكثير، إنما هو السعيُ إلى إنهاء الضباب السياسي المسيطر هذه الأيام على أجواء البلد.
وبصراحةٍ أكبر، إن على القيادات السياسية وفي مقدمها قيادات 14 آذار واجباً كبيراً. ليس فقط على مستوى الشرح والتوضيح، بل لجهة تحديد البرنامج السياسي وتجديده.. بصرف النظر عمّا سيكون البيان الوزاري للحكومة.

لا يمكنُ لجماهير 14 آذار أن تذهب إلى الإنتخابات النيابية المقبلة ما لم تكن واضحة لديها طبيعة هذه الإنتخابات. هل هي إنتخابات بأعلى درجة من "السياسة" أم لا؟.

المعركة السياسية ومتطلّباتها

فإذا كانت من وجهة نظر قيادات 14 آذار إنتخابات ـ معركة سياسية، وجب ومنذ الآن تحديد عناوينها، والعنوان المركزي، ووجب منذ الآن تشكيل المناخ السياسي للفوز في هذه الإنتخابات، ووجب منذ الآن دراسة الإحتمالات والتحسّب لها.

ثم إذا كانت الإنتخابات معركة سياسية تحسم في طبيعة المرحلة التي ستليها وتوازناتها، فمن الطبيعي ألا تشهد الفترة الفاصلة تموضعات أو إنعطافات "إستراتيجية" مختلفة. وثمّة حاجةٌ لبلورة ما هو لازمٌ على الصعيد "التكتيكي" وما هو غير قابل للمراجعة "إستراتيجياً".

في إعتقاد كثيرين من بيئة 14 آذار انّ "إتفاق الدوحة" الذي أنهى ـ مبدئياً ـ صفحة دامية في لبنان "يُمكن" أن يكون نصّاً تسووّياً يسمحُ بتكريس تسوية "فعلية"، لكنه يمكنُ أيضاً أن يكون تسوية "إنتقالية" أي لمرحلة من الزمن.

غير انّ "إتفاق الدوحة" من وجهة نظر الكثيرين لا يُلغي الصراع السياسي السلمي الديموقراطي بل هو لا يُنهي "الأزمة" إذ ينقلها إلى مرحلة وصيغة جديدتين.. و"قانون" السياسة يقول إنها في الأصل تعاقبٌ بين "أزمة" و"حلّ" و"أزمة" و"حلّ" إلى ما لا نهاية.

ولذلك، لا مفرّ من التشديد على إستنهاض 14 آذار لنفسها من جديد، بقراءة موحّدة للمرحلة وبتصوّر موحّد للمهمات المقبلة، وبتحالف متجدّد بين مكوّناتها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل