#dfp #adsense

حزب الله بين الدوحة والدولة

حجم الخط

"حزب الله" بين الدوحة والدولة
بسام ضو (المستقبل)

حرف واحد بين الدوحة والدولة. إمّا أن نبقى في الدوحة فيبقى السؤال عما بعد الهدنة ذات السطح المثلّث: رئاسة وحكومة وقانون انتخاب، وإمّا أن ندخل في الدولة فنجمع الحرفين المفارقين فيكون الجمع حلاً، ونخرج عندئذ من منطق الهدنة في كيان قلق الى منطق السلام في وطن مستقرّ ودولة لا تأكلها دويلاتٌ سواء أكانت معلنة أم مستترة.
***
لا ندعو الى الخروج على الدوحة، فلقد كان هو الممكن الآن، بل ندعو الى الانطلاق منه بدلاً من الاستغلاق به، والانغلاق فيه، وإلى التخلّص من داء "الآنية" و"الحالية" و"الراهنية" الذي فتك سابقاً باتفاق الطائف، فتحوّل الى منكفأ نحو الخلف بدلاً من أن يكون منطلقاً الى الأمام، وراوح في منطق الهدنة التي انفجرت، ولو بعد سنوات عديدة، وكشفت خطيئة الممارسات البعيدة عن بناء الدولة، فسقط مفهوم الدولة، وكاد أن يسقط لبنان لولا تقاطع الدوحة بين مجموعة هُدن عربية وإقليمية ودولية على ساحة الشرق الأوسط، ساهمت كلها في صناعة هدنة لبنانية في العام 2008 مثلما ساهمت عوامل مشابهة في صناعة هدنة الطائف السابقة في العام 1989.

يستحيل العيش السياسي/ الاجتماعي/ الاقتصادي/ الثقافي/ الإنساني المتقدّم وطنياً ومؤسساتياً خارج منطق الدولة، فمثل هذا العيش لا معنى له سوى التقاط الأنفاس بين هُدنتين أو أكثر. إنه عيش "الخوارج" و"الطفّار" و"الغوغاء"، وهؤلاء جميعاً لا يبنون دولة ولا يصونون وطناً.

لا متّسع الآن للعودة الى كل التجارب التي مرّ بها اللبنانيون الذين ظلمهم موقعهم على مفترق التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والنفوذ، في صراعات العالم في هذه المنطقة المزلزلة المسمّاة: الشرق الأوسط، لكنهم ظلموا أنفسهم مرات ومرات لأنهم بعد كل أزمة كانت النُخب السياسية تعمل على إعادة إنتاج السلطة، ولم تعمل في أي مرة على إنتاج دولة. ما عرفناه منذ العام 1920 حتى اليوم هو شكل دولة، شعار دولة، أوهام دولة، ولهذا برزت في حياتنا العامة ظاهرة الانفصام بين السياسة والدستور، وبين السياسة والأخلاق، وبين السياسة والإنسان، مثلما برزت الطوائف على أنها دويلات كادت تعلن عن نفسها لو أن الظروف في المنطقة تهيّأت لذلك… تلك هي الممارسات التي نعيشها، وعلينا أن نعترف بذلك، لا أن نهرب من الإقرار بها، لعلّنا نستطيع إخراجها من "لا وعينا" الجمعي/ الطائفي/ السلطوي الى وعينا الإنساني/ الوطني/ المؤسساتي، فنلبّي حاجات التعاقد في دولة، وحاجات التعاون في مجتمع، كما يقول إبن خلدون، وكما تثبت تجارب الحياة بأن الإنسان ـ بما هو إنسان ـ هو فوق كل اعتبار.

***
إتفاق الدوحة جيد الآن، لكنه لا يتجاوز حدود إنتاج سلطة. إنه هدنة، وبقدرات غير لبنانية، أما الرهان المستقبلي فيمكن اختصاره بعبارة واحدة: كيف يمكن تحويل الهدنة الى حل وطني، وكيف يمكن الانتقال من ترميم السلطة الى بناء الدولة؟… وبقدرات لبنانية، ولو مرة واحدة، لأنها لو حصلت ستكون مرة أولى وأخيرة.

لقد جرى انتخاب رئيس جديد لجمهورية قديمة بلا دولة فعلاً. وسيجري تشكيل حكومة ببيان وزاري يستند الى اتفاق الدوحة، وإلى خطاب القسم الذي أعلنه الرئيس ميشال سليمان. وسيتمّ لاحقاً إقرار قانون للانتخاب، غير أن هذا كله لا يتجاوز حدود الخطوات المنتظرة في أول الطريق، بينما اللبنانيون ـ وهؤلاء هم لبنان ـ ينظرون الى آخر الطريق: هل تكون لنا دولة قادرة، جامعة، سيّدة، مستقلة، تستوعب الطوائف وتهضمها في مرحلة أولى، بدلاً من أن تهضمها الطوائف ثم تقضمها على طريقتها، فتسقط عندئذ هدنة الدوحة، مثلما سقطت سابقاً هدنة الطائف؟… هنا الرهان الكبير، ومن الظلم الفادح إلقاء مسؤولية هذا الرهان على رئيس الجمهورية وحدَه، فهو رئيس لجمهورية فيها رؤوس كثيرة، ورؤساء كثيرون، وطوائف عديدة تستبطن في علاقاتها الشكوك والتنافس بالرغم من أحاديثها العلنية عن العيش المشترك والتوافق الوطني، مثلما تنظر الى السلاح نظرة وجودية، وتجعله أحياناً كثيرة شرط وجود وبقاء، من دون أن تدرس التجارب التي برهنت أن السلاح لا يحمي أحداً، ولا يبني وطناً، ولا يصنع قناعة ورضى حتى ولو استطاع في مرات قليلة أن يفرض موقفاً الى حين، أو أن يكون أمراً واقعاً موقتاً. وعلينا أن لا نخاف من التاريخ، بل أن نقرأه قراءة نقدية مستقبلية، ففي المرحلة بين 1975 و1985 بلغ التسلّح ذروته لدى الكثير من التنظيمات السياسية في الطائفة المارونية، ووصل الأمر الى حدود رفع الشعار الآتي: "أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار"، ثم بلغ التسلّح ذروته في تنظيمات عديدة في الطوائف الإسلامية، وكان الجميع يرفعون شعارات غير طائفية لكن المواجهات في الأرض كانت دائماً تأخذ الشكل الطائفي والخطير والمدمّر، بل إنها تركت جراحات عميقة لم تندمل، ومناخات من الشكوك لم تنته بالرغم من تبدّل التحالفات والمعادلات، ثم اضطرّ الجميع الى الحوار فأنتجوا الهدنة، أي أعادوا إنتاج السلطة كما أشرنا، فكانوا متنافسين لا متوافقين، ومارسوا المواربة، ولم يمارسوا مواجهة المهمة الصعبة أي: بناء الدولة.

هكذا فشلت مغامرة المارونية السياسية، وعادت بعض نخبها الى "نقدها" كما قال لي مرة الكتائبي العتيق جوزيف أبو خليل. ولكن نقد تجربة المارونية السياسية هو جدلياً نقد لأية "مارونية سياسية" في الطوائف الأخرى، فالموزاييك اللبناني لا يتحمل مارونية سياسية، ولا درزية سياسية، ولا شيعية سياسية، ولا سنّية سياسية ولا…. أي محاولة من هذا القبيل حتى لو حملت شعارات كبيرة تتجاوز الطوائف الى مصير لبنان ككل، في تركيبته الداخلية، وفي موقعه ودوره في المنطقة، فمن لا يعرف من اللبنانيين أن الشعارات تأكلها الطوائف في ظل النظام السياسي الطائفي القائم، ولا تستطيع هذه الشعارات أن تحمي نفسها إلا بمشروع وطني يخاطب الجميع، ويعرف كيف يجمع بين خصوصية التركيبة اللبنانية، وبين صياغة التطلعات المشتركة، وبين إمكانات لبنان والأعباء التي يمكن أن تلقى عليه.

بعد اتفاق الدوحة، ومن أجل الانتقال ـ أو محاولة الانتقال ـ الى بناء الدولة بديلاً من الهدنة والسلطة، يجب التفكير بكل هذه الأمور، ففي السابق، وبخصوص مسألة السلاح تحديداً، كانت المارونية السياسية هي المعنية، وكذلك الحركة الوطنية، ثم جميع القوى بعد الحروب الداخلية الدامية التي أعقبت الاحتلال الاسرائيلي في العام 1982 وظلت في مستوى عال من الشراسة حتى نهايات العام 1985، أما اليوم فإن المعني ـ وبكل واقعية ـ هو حزب الله.

إننا لم نجادل مرة في مشروعية المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، ولن نجادل، فالمسألة المطروحة ليست في هذه النقطة بالذات، مثلما هي ليست دعوة الى تجريد الحزب من سلاحه، فاتفاق الدوحة لم يتحدث عن ذلك، ومن قبله اتفاق الطائف لم يشر الى هذا الأمر، لكن المسألة هي في إطار آخر تماماً، فإذا أراد الجميع ـ وحزب الله من هذا الجميع ـ أن يكون اتفاق الدوحة مكملاً لاتفاق الطائف، وأن يكون خطوة نحو بناء الدولة تعوّض الخطوة التي لم تحصل بعد اتفاق الطائف، فلا بد من انتظار أن يقوم حزب الله بالخطوات الآتية:

1 ـ الالتزام بصياغة استراتيجية دفاعية عن لبنان في إطار الدولة.

2 ـ هذه الاستراتيجية الدفاعية تنطلق من القناعة بأن المقاومة يجب أن تتحرّك في إطار خطة عملانية يقودها الجيش اللبناني، ولا سيما أن هذا الجيش ينسجم في عقيدته القتالية مع المقاومة، وتحمّل مسؤوليات ناجحة في الجنوب بعد حرب تموز 2006، وفي إطار القرار 1701 الذي وافق عليه حزب الله. كما ان قائد الجيش الذي أصبح الآن رئيساً للجمهورية أثبت من التوازن والاتزان والحكمة ما يفيض، وليس ما يكفي فقط، لدفع حزب الله نحو هذه الخطوة الضرورية من أجل الانطلاق فعلاً نحو بناء دولة قادرة في لبنان.

3 ـ إن صياغة استراتيجية دفاعية على هاتين القاعدتين، إضافة الى الافادة من مناخات الحوار في آذار 2006، والى مبدأ بسط سيادة الدولة المذكور في الطائف وفي الدوحة، والى مناخات المصالحة والمصافحة في لقاءات الدوحة، والى ما ورد في خطاب القسم لرئيس الجمهورية، يمكن أن يساعد المقاومة كثيراً في استعادة معناها الوطني الواسع، بينما هي الآن تعيش التباسات طائفية ومذهبية حتى ولو كانت ترفع شعار المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي وتمارس هذا الشعار وتقدم الشهداء. إن انخراط المقاومة في خطة يقودها الجيش يبلور معناها الوطني عملياً، فالجيش يشارك فيه جميع أبناء الطوائف، ثم انه أفضل للمقاومة ـ بل هذا هو الصحيح وحده في قناعتنا ـ ألف مرة أن تكون محتضنة من الجميع لا من طائفة واحدة فقط… أما عكس ذلك، فسيجعل النظرة الى المقاومة ملتبسة كثيراً وبالحسابات المذهبية، وهذا مضر حتماً بلبنان وبالمقاومة وببناء الدولة، فضلاً عن أنه قد يدفع الى انتشار أوسع لعملية التسلح السري أو العلني، ما يعني استمرار لعبة الهدنة، ولعبة التنافس على السلطة، بدلاً من اجتياز المسافة بين السلطة والدولة، لكي تكون الأولى هي المتغيّر الديموقراطي ضمن الثابت الوطني الذي هو الدولة.

إن مشروعية المقاومة التي تتيح لسلاحها أن يكون ضمن خطة الجيش، لا تعني أبداً استمرار انتشار السلاح لدى أية قوة أخرى في لبنان، ولعلنا نحتاج بعد الدوحة أن نفعل بأوسع مما فعلناه بعد الطائف، أي جعل السلاح في عهدة الدولة، فهي تحتكر العنف القانوني المشروع، ولا سيما أن اتفاق الدوحة نص على عدم استخدام العنف في الصراع السياسي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل