#adsense

هل “نخطف” الحكومة والمصالحة بعد الرئاسة؟

حجم الخط

هل "نخطف" الحكومة والمصالحة بعد الرئاسة؟ 
صلاح سلام (اللواء)

يُدرك اللبنانيون جيداً، وهم يعيشون صدمات التوافق العجائبية، أنه لولا التفاهمات، حتى لا نقول الصفقات العربية – الإقليمية – الدولية، لما تحققت "معجزة" التسوية في قطر، ولما استطاع الوطن الصغير الخروج من دوامة الأزمة المتمادية، والتي أعادته إلى شفير الحروب الداخلية من جديد·

ويعلم اللبنانيون أن الحلول السياسية لم تكن يوماً رهن إرادات قياداتهم السياسية والحزبية، بقدر ما كانت نتيجة توجهات خارجية، وحصيلة حاجات إقليمية ودولية للتهدئة تمهيداً للانتقال إلى محطة أخرى حيناً، أو لاختبار "اتفاق ما" بين اللاعبين الكبار أحياناً أخرى!·

غير أن الاعتراف بهذا الواقع المؤسف والمرير لا يقلّل من أهمية الآمال الكبيرة التي يعلّقها اللبنانيون على التسوية التي أنتجها مؤتمر قطر، والتي فتحت أبواب الحلول السياسية على مصراعيها، ولو على إيقاع التفاهمات الخارجية، وساعدت على تطويق نيران الفتنة المذهبية، التي أشعلت أوارها الهجمة المسلحة في شوارع بيروت، والتي امتدت ارتداداتها إلى مناطق أخرى في البقاع والشمال·

وما يهم اللبنانيون اليوم، ويراهنون عليه بكثير من الاندفاع، هو أن تستغل قياداتهم المحلية أجواء الانفراج والتفاهم السائدة في المحيط الإقليمي على وقع المفاوضات السورية – الإسرائيلية من جهة، والترتيبات الجارية في العراق لتأمين "مخرج مشرّف" للإدارة الأميركية من الورطة العراقية، والمضي قدماً، وبأسرع ما يمكن، لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية، تطوي صفحة سنوات الخلاف العجاف، وتحصّن الجبهة الداخلية الهشة من أية نكسات مفاجئة قد تتعرّض لها الانفراجات الإقليمية الحالية·

* * *

لقد أمسك الأخوة العرب اللحظة المناسبة للتحرّك من خلال الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب بناء على طلب من السعودية ومصر للبحث في وسائل إطفاء النار اللبنانية، التي بدأت تتحوّل إلى فتنة مذهبية من شأنها أن تهدّد أمن واستقرار ليس المنطقة العربية بل والعالم الإسلامي كله·

واستفادت دولة قطر الشقيقة من تقاطعات علاقاتها مع كل من: الرياض والقاهرة من جهة، ودمشق وطهران من جهة ثانية، وواشنطن وتل أبيب وباريس من جهة ثالثة، وعمل أمير البلاد الشيخ حمد بن خليفة ورئيس حكومته الشيخ حمد بن جاسم بحنكة ودهاء على إزالة الألغام الخارجية من طريق أي توافق يمكن أن يتوصل إليه الفرقاء اللبنانيون في مؤتمر الدوحة·

ومنذ خروج الدخان الأبيض من "شيراتون الدوحة"، يعيش اللبنانيون ومعهم الكثير من الأشقاء العرب والأصدقاء في العالم، معجزات التوافق اللبناني التي تُحقّق يوماً بعد يوم المزيد من الخطوات في حلحلة عُقد الأزمة اللبنانية التي لم تنفع مساعي دول كبيرة في الغرب والشرق على حل طلاسمها طوال سنتين ونيّف من الزمن!·

انتخاب الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان تم في جلسة تاريخية وغير مسبوقة في كثافة الحضور العربي والدولي المشارك فيها، وذلك بعد أشهر مريرة من المماطلة والتعطيل للاستحقاق الرئاسي، بسبب الشروط التعجيزية التي كانت مستحكمة بالخلافات بين الأكثرية والمعارضة·

استشارات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، جرت في مناخات صريحة للممارسة الديمقراطية الراقية، والتي أعادت الرئيس فؤاد السنيورة إلى الرئاسة الثالثة، قبل خروجه من السراي الكبير·

سقوط سياسة الفيتوات، وتراجع أساليب الاتهام والتخوين التي سادت في الفترة السابقة، والتي كادت تحوّل كل لبناني إلى "مشروع خائن وعميل" للخارج، حتى يُثبت العكس!!·

* * *

ولكن لا بد من الاعتراف بأن كل هذه الانفراجات المتتالية لا توفّر للبنانيين الاطمئنان الكافي لطي تداعيات الأزمة وما كانت تحمله في ثناياها من فتنٍ مُدمّرة، إلى غير رجعة··!·

ولعل العودة بالذاكرة إلى أجواء السلام التي سادت البلد بعد "حرب السنتين" عامي 75 و1976، تبرّر حذر اللبنانيين الذين اكتووا بنيران الحروب التي تتخذ من بلدهم المسكين ساحة لتصفية حسابات الآخرين على أرضه·

فبعد مؤتمر الرياض الخماسي الذي دعم انتخاب الراحل إلياس سركيس رئيساً للجمهورية وتشكيل قوات الردع العربية التي شكّلت في القمة التي أعقبت مؤتمر الرياض، ووضعت بتصرف رئيس الجمهورية لفرض الأمن في البلاد، حدثت هزّة في العلاقات العربية لم تكن في الحسبان· لقد قرّر الرئيس المصري أنور السادات الذهاب إلى القدس، وخوض محادثات مباشرة مع العدو الإسرائيلي، وسط معارضة عربية واسعة، خاصة من دمشق وبغداد، محور "جبهة الرفض" في ذلك الزمان·

فكان أن انهارت مسيرة التهدئة والأمن والسلام، وانفرط عقد قوات الردع العربية التي بدأت تنسحب تباعاً، تاركة الجيش السوري وحده في الساحة اللبنانية التي عادت تشتعل حروباً من كل الأنواع، بما فيها حرب بين الجيش السوري ومسلّحي الجبهة اللبنانية المسيحية التي كان قادتها وراء دعوة التدخل العسكري السوري في لبنان إبان صيف 1976·

لم يكن الوطن الصغير في ربيع عام 1978 قد غادر مرحلة النقاهة بعد حرب السنتين التي هددت انقساماتها الصيغة والكيان، فكان أن وقع في أتون الصراعات الإقليمية من جديد، وبقيت نيران الحروب مشتعلة على أرضه طوال عقد ونيّف من الزمن·

ولعل هذا ما يخشاه اللبنانيون هذه الأيام، لأن أية انتكاسة في التفاهمات العربية – الإقليمية التي أنتجت اتفاق الدوحة، من شأنها أن تنعكس سلباً على الساحة اللبنانية، التي ما زالت تعاني من تداعيات الأمس القريب، حيث ما زالت النار تحت الرماد، في ظل غياب مصالحة حقيقية بين القيادات المعنية، وخاصة في "تيار المستقبل" و"حزب الله"، تُساعد على إطفاء موجة المشاعر المتأججة في الشارع·

إن الفرصة متاحة حالياً للعودة إلى معادلة "ل – ل" التي سبق وطرحها زعيم الأكثرية سعد الحريري، داعياً "حزب الله" وبقية أطراف المعارضة إلى حوار لبناني – لبناني يُنهي هذه الحقبة المريرة من النزاعات والمشاحنات التي تجاوزت الخطوط الحمر، وهددت بإغراق البلاد بمجازر حمراء لا تبقي ولا تذر·

لقد نجح اللبنانيون في "خطف" رئاسة الجمهورية من الفراغ، على حد قول الرئيس نبيه بري، ولكن انتخاب الرئيس التوافقي وحده لا يكفي إذا لم يتم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، والعمل علي تحقيق مصالحة وطنية فعلية وحقيقية، تبدأ بلقاء القيادات أولاً، ثم تمتد عبر خطاب سياسي جديد إلى الشارع·

لا خوف من الأجواء التفاؤلية التي أحاطت بتكليف الرئيس فؤاد السنيورة بتشكيل الحكومة العتيدة، فالرجل أثبت قدرته على مواجهة الأزمات والصعاب، والحفاظ على ضبط النفس ورباطة الجأش في أشدّ الأوقات حراجة· كما برهن أنه في الوقت نفسه رجل الانفتاح والحوار والاعتراف بالآخر، في إطار رؤية واضحة تثبت صوابيتها كل يوم، ومفادها أن الوطن لا ينهض إلا بتعاون الجميع، وأن الحوار هو أساس التفاهم والإقناع، وأن السلاح بيد الأخوة لا يحل المشاكل في لبنان بل يزيدها تعقيداً وتفجيراً·

إن أجواء التهدئة الإقليمية "تشجّع" اللبنانيين على "خطف" حكومة الوحدة الوطنية، وإتمام متطلبات المصالحة الحقيقية لطمر نيران الفتنة تحت تراب الجبهة الداخلية المتماسكة، التي لا بد من الإسراع في العمل على تحصينها من أية عاصفة خارجية مفاجئة تُهدّد مسار التسوية الحالية في لبنان·

إن نجاح اللبنانيين في "خطف" المصالحة الفعلية وتأمين الحصانة الكافية لوحدتهم الداخلية، من شأنه أن يُساعد في فك أسر الوطن الصغير من الصراعات الإقليمية، وحماية قراره الوطني من مؤثرات التداخلات الخارجية، على نحو ما حققه ونجح به الرئيس فؤاد شهاب في فترة الستينات، التي شهدت الكثير من الانهيارات في المنطقة العربية، بدءاً من انهيار دولة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961 إلى هزيمة 5 حزيران 1967، إلى حروب الأردن مع الفصائل الفلسطينية عامي 69 و1970، إلى غياب الرئيس جمال عبد الناصر في خريف العام نفسه·

هل نستفيد من عِبَر الماضي القريب والبعيد، ونعمل بكل جدية على إعادة ترميم الجبهة الداخلية وتحقيق المصالحة الحقيقية، انطلاقاً من الإسراع بتشكيل الحكومة، وصولاً إلى ورشة لقاءات بين القيادات والكوادر لنزع فتيل الاحتكاكات والمواجهات من الشارع·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل