"نقزة" وقلق لبنانيان من أميركا!
سركيس نعوم – النهار
لم ينس اللبنانيون ان الولايات المتحدة تخلت عنهم مرتين ولجهة اقليمية واحدة بين عامي 1976 و 2004. المرة الاولى كانت عندما اعطت سوريا حافظ الاسد ضوءاً أخضر أو اصفر لدخول لبنان عام 1976 بعدما كادت "حرب السنتين" ان تنتهي الى غالب ومغلوب والى وضع مربك لسوريا واسرائيل بل للمنطقة كلها. وهي تجاهلت في حينه، ان سوريا هذه ادارت حرب السنتين بمكوناتها اللبنانية والفلسطينية بطريقة تجعل دخول جيشها لبنان مطلباً لبنانياً وعربياً ودولياً. وتصرفت انطلاقاً من اقتناع بأن التدخل السوري المباشر سيوقف الحرب الاهلية ويضع حداً لمنظمة التحرير الفلسطينية "الارهابية" انذاك ويفتح الباب امام عملية سلام في الوقت المناسب. اما المرة الثانية فكانت عام 1989 عندما دعمت اميركا او ربما دفعت لجنة عربية ثلاثية رفيعة لمساعدة اللبنانيين على التوصل الى تسوية تنهي حربهم ونصحت هذه اللجنة واللبنانيين بالتجاوب مع تحفظات سورية عن التسوية التي توصلوا اليها والتي اطلق عليها اسم اتفاق الطائف. وفي عام 1990 اكدت اميركا لسوريا دورها اللبناني بعدما شعرت بالحاجة الى تغطيتها السياسية للحرب التي كانت تعد والعالم لشنها على جيوش صدام حسين بغية اخراجها من الكويت بعد احتلاله اياها بأشهر.
ولا يبدو ان اللبنانيين سينسون التخلي الاميركي عنهم مرتين حتى الآن رغم الدعم الكبير الذي قدمته اليهم ادارة الرئيس جورج بوش منذ اواخر عام 2004 بعد انتفاضتهم الشعبية الواسعة على الوصاية السورية وخصوصاً عندما تواجههم ظروف سيئة توحي ان ما عملوا طوال ثلاث سنوات لتحقيقه وهو اقامة دولة حقيقية قد يواجه الفشل أولاً لانقلاب موازين القوى في الداخل بسبب تدخل سوريا وايران. وثانياً لعجز اميركا عن التعامل مع هاتين الدولتين على نحو يفرض عليهما ان "تتركا لبنان وشأنه". وثالثاً لبداية همس في الاوساط الاقليمية والدولية عن محاولات جديدة لاعادة المياه الى مجاريها سواء بين واشنطن ودمشق او مع طهران وعن الآثار السلبية لذلك على الاستقلال الثاني للبنان. الا ان اللافت اكثر هو تولد شعور لدى هؤلاء اللبنانيين بـ"النقزة" من اميركا وخصوصاً بعد بدء تسرب افكار واقتراحات عن صفقات محتملة مع سوريا وربما لاحقاً مع ايران وان بعد رحيل الادارة الاميركية الحالية وانتخاب رئيس اميركي جديد وتأكيد المسؤولين الحاليين في واشنطن والذين قد يصبحون مسؤولين فيها بعد الانتخابات الرئاسية ان اي صفقة او تسوية مع سوريا لن تكون على حساب لبنان والمحكمة الدولية. واللافت ايضاً هو تحول "النقزة" قلقاً وخصوصاً بعد حوادث لبنان بين 7 ايار الماضي و11 منه والتي قلبت الموازين التي سادت منذ 2005 او التي قد تساعد في قلبها في وقت غير بعيد بمساعدة سورية – ايرانية واضحة ومباشرة وفي ظل عجز اميركي – عربي واضح يمكن ان يفتح من جديد باب التواطؤ على لبنان ومصالحه واستقلاله.
هل "النقزة" والقلق في محلهما؟
انهما مشروعان، تجيب مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة بعضها اميركي. لكن المبالغة فيهما لا تجوز. فاميركا وحلفاؤها العرب ورغم عجزهم الذي ظهر اخيراً لم يعتبروا ان ما حصل هو هزيمة او لم يسلموا به هزيمة. وهم سيستمرون في دعم "الاستقلاليين" والغالبية للصمود والمقاومة بأكثر من طريقة. لكن المهم ان يقرر هؤلاء الصمود والمقاومة السياسية والسلمية طبعاً وقد فعلوا. كما انهم لن يستعجلوا في تقديم "الجزرة الكبيرة" الى سوريا التي اشار اليها "الموقف هذا النهار" امس قبل نجاحها في اقناع اميركا والمجتمع الدولي بانها صادقة أولاً في السلام مع اسرائيل، وثانياً في مكافحة الارهاب، وثالثاً في احترام لبنان وعدم السعي الى التدخل فيه او العودة اليه مجدداً.