#adsense

العلاقات الديبلوماسية اعتراف لا يمنع التدخل

حجم الخط

العلاقات الديبلوماسية اعتراف لا يمنع التدخل!

شدد وزير الخارجية الالماني فرانك فالتر شتاينماير لدى لقائه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الاحد الماضي على ضرورة قيام علاقات طبيعية بين لبنان وسوريا واعتراف سوريا بلبنان دولة سيدة ومستقلة. وأكد سليمان في المقابل انه سيعمل على اقامة افضل العلاقات بين لبنان وسوريا مشيرا الى ان دمشق ابدت استعداداً لاقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان. والامران، أي الاعتراف والعلاقات الديبلوماسية، صارا متلازمين في نظر غالبية اللبنانيين على اختلافاتهم العميقة، كما في نظر المجتمعين العربي والدولي، بل صارا "شرطا" وان على نحو غير رسمي لزوال التوتر في العلاقات بين المجتمعين المذكورين او أكثرية دولهما وسوريا والذي له اسباب متنوعة يبقى لبنان ابرزها.

هل تشكل موافقة سوريا على اقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان اعترافا به دولة سيدة مستقلة؟ وهل يقضي اعتراف كهذا على كل اسباب التوتر بين الدولتين الشقيقتين والجارتين ويساعد فعلا على اشاعة استقرار امني وسياسي في لبنان وخصوصاً بعدما ثبت سواء قبل الحروب في لبنان او اثناءها او بعد انتهائها وخروج القوات العسكرية السورية من البلاد، ان سوريا كانت دائماً جزءاً من المشكلة الاساسية للبنان او ربما مشكلته الاساسية وانها تستطيع ان تكون جزءاً من الحل لكل مشكلاته او الحل كله؟

لا يشك احد في ان العلاقات الديبلوماسية بين دمشق وبيروت تشكل اعترافاً رسمياً من الاولى بالثانية من شأنه على مدى طويل اقناع اللبنانيين بأن الحقوق التي كانت تدّعيها سوريا في لبنان، سواء أكانت جغرافية أم سياسية أم اجتماعية، لم تعد قائمة او أنها تنازلت عنها لمصلحة علاقات أخوية طبيعية فيها الكثير من التكافؤ. لكن الاقناع هذا يلزمه كي يترسخ أمران بالغا الاهمية. الاول سوري وهو اتخاذ سوريا قراراً نهائياً باعتبار لبنان وطناً نهائياً لابنائه وبالتخلي عن اي "دعوة" لها فيه او "حق" وبالكف عن التدخل في شؤونه الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والطائفية والمذهبية والحزبية، وبعدم السعي الى السيطرة عليه وحكمه وان على نحو غير مباشر. اذ من دون قرار كهذا لن تحقق اقامة علاقات ديبلوماسية بين سوريا ولبنان اي فائدة على الاطلاق وخصوصاً للبنانيين الذين هم الشقيق الاصغر بحجمهم وبحجم دولتهم. كما ان علاقات كهذه لن تحمي اللبنانيين من اي ممارسات مسيئة اليهم والى وطنهم. أما الامر الثاني فهو لبناني ويتطلب اتخاذ الشعوب اللبنانية المتعايشة شكلاً وليس فعلا في لبنان قراراً باعتبار لبنان وطناً نهائياً لها كلها وبتخلي كل منها عن المحاولات المستمرة لاخضاع شقيقاتها او للسيطرة عليها او حكمها وبالكف عن الارتهان للخارج عدواً كان أم صديقاً أم شقيقا بغية النجاح في تحقيق هذه الغاية غير النبيلة. وهو يستدعي ايضاً اعتماد الشعوب اللبنانية نهج الحوار طريقا وحيدة للمحافظة على السلم الاهلي والاستقرار الامني وعلى وحدة الدولة وديمومة الوطن وقبول التنوع والتعدد بما يعنيه من مساواة في الحقوق والواجبات والتصرف على اساس رفض التمييز بين اللبنانيين انطلاقاً من عرق او مذهب او طائفة او دين او حزب.

ومن دون الامرين المذكورين لن تحقق اي علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا اي تقدم على صعيد اعادة تكوين لبنان الدولة والمؤسسات وكذلك الشعب المتصالح بعضه مع بعض والمتعايش بتكافؤ وتعاون الى اقصى الحدود. وعلى ذلك ادلة كثيرة وملموسة نورد بعضها ليس لنكء جروح قديمة اذ تكفي اللبنانيين جروحهم الحالية. منها ان العلاقات الديبلوماسية بين مصر ولاحقاً بين الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) ولبنان (1958 – 1961) لم تحل دون تدخل الدولتين الاوليين في الشؤون اللبنانية وممارستهما دوراً كبيراً جداً في سياسة لبنان ودولته وسيطرة واسعة على قطاعات شعبية مهمة فيه. طبعاً ادرك قادة مصر، وخصوصاً بعد الانفصال، خصوصية تركيبة لبنان فاتفقوا مع "حكامه" بعد "ثورة 1958" على تهدئته. لكن هذه التهدئة لم تتحقق الا لان مصر كانت تمون في حينه شعبياً في لبنان. وهذه المونة كانت تمارس عبر السفارة و"ممرات" اخرى. ومن الدلائل ايضاً الدور المتعاظم الذي تقوم به ايران في لبنان عبر سفارتها فيه و"أمور" أخرى.

هل صار اللبنانيون جاهزين بعد اكثر من ثلاثة عقود من الحروب العسكرية والسياسية، كان آخرها بداية حرب مذهبية بين المسلمين، للاعتبار من الماضي واعادة بناء وطن ودولة "عيّشين" بحيث لا يعود في استطاعة دولة كبيرة او صغيرة شقيقة أم صديقة أم عدوة وذات تمثيل ديبلوماسي مع لبنان او من دون تمثيل ان تعبث بأمنهم واستقرارهم، وأن تقود مكوناتهم اي شعوبهم في اتجاهات لا تخدم مصالحهم ومصالح بلادهم؟ لا تزال هذه الجهوزية، ويا للأسف، تنقصهم. ولعل آخر دليل على ذلك مبادرة نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان الى المطالبة بنيابة رئاسة الجمهورية للشيعة في حال عدم حصولها على حقيبة المال في الحكومة الجديدة، علماً ان هذا المنصب غير موجود في الدستور. وطلب كهذا يثير "نقزة" الشعوب اللبنانية الاخرى لانه يكشف ربما أجندة سياسية داخلية مدعومة من جهات اقليمية مهمة لا تخدم لبنان الدولة المستقلة والعيش المشترك المتساوي والوطن النهائي. طبعاً نحن لا نتعرض هنا للمقام الديني ولكن لعمل سياسي معين قام به وهذا ما دعت كبرى المرجعيات الدينية في لبنان الى اعتماده والى عدم اعطاء أي منها "عصمة" في المجال السياسي. ولكن لا نستطيع الا التوقف عنده لان الشيخ قبلان ليس نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي فقط بل هو ايضاً قريب من حركة "امل" وأكثر قربا من رئيسها "الرئيس" نبيه بري ولانه صار مع سائر الافرقاء في الطائفة الشيعية جزءاً من مشروع يبدو واحداً للناظرين اليه من خارج.

ومن شأن مواقف كهذه شحن القلوب والنفوس والغاء العقول والتأسيس لعودة العنف وعلى نطاق واسع، علماً انه اذا كانت للشيعة او لغيرهم من شعوب لبنان مطالب، وإن جذرية، فعليهم ألا يخجلوا من طرحها ولكن على طاولة حوار وفي صورة علنية وإن أدت الى صيغة أخرى للبنان الوطن والدولة. ذلك ان المهم بقاءه واستقراره وليس استمرار التنازع عليه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل