من يضمن الوعد الجديد؟
انتخب الرئيس، والحكومة على طريق الولادة، فالثقة النيابية. والبلد في أحسن أحواله بعد وعد صاحب الوعود بصيف هادئ. لكن غلالة الفرح التي عمت لبنان من قلب بيروت، الذي أزيلت عنه الخيم، الى المصايف التي بدأت تتزين انتظارا لما يزيد على مليون ونصف مليون زائر، لا تكفي لزرع الاطمئنان الى المستقبل. فاللبنانيون يتفننون اليوم في النفخ على لبن الوعد الجديد بعدما كان كواهم حليب وعد سابق بهدوء صيف 2006.
والوعد الأهم والمنكوث به أيضا والذي يزيد نفخهم على اللبن، هو الذي كان بعدم توجيه سلاح الحزب الى الداخل، وتحويله سلاح فتنة اهلية بعدما كان في وجه العدو الصهيوني عنوان وحدة وطنية لم يفت في عضدها إنكار الأمين العام وجودها حين خص جمهوره، المحدد جغرافيا ومذهبيا، بالفضل في "النصر الالهي".
إذ هل يكفي الوعد الجديد المدبج في "بيان الدوحة" بعدم استخدام السلاح مجددا في الداخل للإطمئنان الى أن مندرجاته ستبقى محل احترام حامليه تحت أي عنوان؟ فالسلاح إقتحم السلم الأهلي في "أيار الأسود" القريب تحت عنوان الدفاع عن السلاح في وجه قرارين من حكومة لا يعترف بها حامله تركت تنفيذهما الى سلطة عسكرية لم يبد حامله نفسه يوما إحترامه لقدرتها حتى المعنوية، بدليل إبقائه مستوطنة الخيم ما يناهز السنتين في قلب بيروت تعمل فيه تعطيلا وقهرا، بما في ذلك من ضرب للأمن المعيشي إن لم يكن للسلم الأهلي.
كانت غزوة بيروت تعبيرا عن يأس من المراوحة بين حياء مفتعل من الانقلاب على العملية السياسية، وصلف متقدم امعنت في تضخيمه الأنا المسلحة بقوة نيران تجعل الاستهانة بالعيش المشترك والمسلمات الوطنية أمرا مستساغا. كانت إنقلابا على نتائج الانتخابات النيابية السابقة التي تواطأت مجموعتان في طرفيها على خوضها في بعض المناطق كحلفاء على رغم معرفة من هم في 14 آذار أن الآخر يريد الوفاء لسوريا بأي ثمن، فيما الحزب وحليفته حركة "أمل "كانا يعرفان أن رفقة الطريق الإنتخابية لن تستمر: راهنت 14 آذار على استيعاب الآخر بالحوار داخل الدولة، ولعب فريق 8 آذار لعبة الوقت لتصيد الظرف المناسب للانقلاب على الغلبة السيادية.
اليوم، يترقب اللبنانيون ما بعد الحكومة، أي الحوار، ولا سيما في موضوع سلاح الحزب والانتخابات النيابية المقبلة. قد يطول الحوار الى ما شاء المشاركون به. ولعل من المنطقي أن يراهن أصحاب السلاح على إنجاز المناقشة في ظل نتائج الانتخابات المقبلة لتعويلهم على أن تأتيهم بغالبية ترى رأيهم. وهو تعويل يزيد من نفخ النافخين على اللبن البارد مرتين:
الاولى لأن الطريقة المنهجية في اقتحام بيوت الناس الآمنين في بيروت وفظاظة الاعتداءات على اناس بعينهم تنمان عن منطق تخويف وترهيب سيستثمر في المرحلة المقبلة لتليين تماسك جمهور الاستقلال الثاني، علما بأن الذيول لا تزال تكرر بصورة "ألطف" ما ظن اللبنانيون أنه صفحة انطوت في الدوحة. ويمكن من أراد، واستطاع، أن يراجع محاضر المخافر.
الثانية لأن اللبنانيين، بعد التجاريب، لا يستطيعون أن يصدقوا أن من انقلب على الشرعية الشعبية البرلمانية بقوة السلاح وفرض الثلث المعطل، لن يلجأ الى ذلك ثانية حين تعود الغالبية النيابية مجددا خارج متناوله.
الجواب طي الآتي. والاكيد هو أن الحزب لن يترك المناقشة في موضوع السلاح يصل الى أي مكان، على الاقل ليس قبل الانتخابات النيابية، كي يصلب تماسك جمهوره في "فسطاط أشرف الناس" في مقابل "فسطاط"المطالبين بحق الدولة في قرار السلم والحرب.
للتذكير. انتهت غزوة بيروت و"الانتحار" في الجبل الى "اتفاق الدوحة" الذي سماه الرئيس بري الذي لا تزل لسانه عادة، "صلح الدوحة". ربما تقريبا في الاذهان الى "صلح الحديبية" الذي وقعه النبي محمد مع قريش في العام السادس للهجرة في موقع حمل هذا الاسم، بعدما وصله على رأس ألف وخمسمئة من الانصار. وكان المطلب الأساسي لقريش أن يعود المسلمون ذلك العام على أن يدخلوا مكة معتمرين في العام التالي، لكي لا يقول العرب أن قريشا استذلت للمسلمين فيصيبها من ذلك معرّة. ووافق رسول الإسلام على مطلب قريش، وعلى أساسه عقد اتفاقاً بينه وبين قريش عرف بصلح الحديبيّة وبمقتضاه عقدت هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنين.
"صلح الدوحة" ينتظر الانتخابات بعد سنة. ورهان 8 آذار أن تربحها بترددات الغزوة الفاشلة واضح في وقائع المخافر. وإرادة 14 آذار أن تربحها بقوة جماهير سيادة لبنان وحقه في قراره.
إذا أكدت الأكثرية أكثريتها، فما الذي يضمن عدم وقوع الانقلاب المسلح مجددا؟
تقبُّل الديموقراطية والحوار هو الضمان.