#adsense

لبنان… بين هدنة سياسية وتسوية تاريخية – د. وحيد عبد المجيد

حجم الخط

لبنان… بين هدنة سياسية وتسوية تاريخية
د. وحيد عبدالمجيد – أوان الكويتية

ليت قيادة حزب الله تتأمل في ما قاله الرئيس اللبناني الجديد ميشال سليمان، في خطاب القسم، عن المقاومة. وكان أهم ما في حديثه عنها إشارته، أو بالأحرى تحذيره، من أن تستهلك إنجازاتها في صراعات داخلية.
وقد قال ذلك في سياق الإشادة بهذه الإنجازات التي يعتز بها العرب، أو على الأقل معظمهم، وتأكيد دور الدولة في آن معاً. ومفتاح حل هذه المعادلة الصعبة، عنده، هو التوافق على استراتيجية دفاعية تستفيد من طاقات المقاومة. ويقتضي ذلك طرح مشروع، أو أكثر، لهذه الاستراتيجية في إطار حوار هادئ يقوده الرئيس المقبول من الفريقين المتصارعين اللذين التزما باتفاق الدوحة.

ولكي لا يكون هذا الاتفاق مجرد هدنة، ينبغي التعجيل بالحوار حول القضية الأكثر جوهرية في الخلاف بينهما، وهي قضية سلاح حزب الله، من ضمن العنوان الأوسع الذي طرحه الرئيس سليمان، وهو بناء استراتيجية دفاعية للدولة اللبنانية.

وفي هذه الحالة، يحسن أن يطرح كل من الموالاة (14 آذار) والمعارضة (8 آذار) مشروعه لهذه الاستراتيجية، فيكون هدف الحوار هو التوفيق بينهما، أو أن يسعى هذا الحوار إلى التوافق على المبادئ العامة الرئيسة التي يصاغ مشروع مشترك على أساسها.

والمهم هو أن يبدأ هذا الحوار بأسرع ما يمكن، وأن تكون قيادة حزب الله مستعدة للتعاون بجدية وإخلاص، على الرغم من الشكوك التي تراودها في نوايا الفريق الآخر، أو بعض أطرافه، لأن لهذا الفريق شكوكه العميقة بدوره في نواياها وعلاقاتها الإقليمية ورؤيتها لهوية لبنان ودوره.

والمهمة الأكثر صعوبة الملقاة على عاتق الرئيس الجديد، هي السعي إلى وضع حد لهذه الشكوك المتبادلة، والعمل من أجل بناء الثقة المفقودة بين الفريقين بشكل تدريجي. وهذا مدخل ضروري لتحويل اتفاق الدوحة من هدنة سياسية إلى تسوية تاريخية. ومن البديهيات أن هذا النوع من التسويات لا يحدث بشأن انتخاب رئيس، أو تشكيل حكومة، وغير ذلك من المسائل الإجرائية. فالتسويات التاريخية، هي تلك التي تمثل نقاط تحول كبرى، وتحدث تغييراً جوهرياً في تلك العلاقات التي بنيت في الماضي على الصراع، وتقدم حلولاً طويلة المدى لخلافات أنتجت حروباً، أو تهدد بإشعال مثلها في المستقبل.

ولا يمكن الحديث عن تسوية تاريخية في لبنان بمنأى عن قضية سلاح حزب الله. ولا سبيل إلى معالجة تلك القضية إلا إذا أبدت قيادة هذا الحزب استعداداً جدياً للتفاوض عليها، وتعاملت قوى الموالاة معها بطريقة مختلفة عن تلك التي اتبعتها خلال العامين الأخيرين.

وآية هذا الاختلاف، الذي صار ضروريا الآن، أن تهتم تلك القوى بسيادة الدولة اللبنانية تجاه الخارج، مثلما تعنى بسيادتها في الداخل. فالسيادة لا تتجزأ. والدولة التي لا تعنى بسيادتها تجاه الخارج، تفقد الصدقية عندما تصر على هذه السيادة في الداخل. فثمة تهديد حقيقي للبنان من إسرائيل. ولا يمكن التغاضي عن هذا التهديد لمجرد أن حزب الله وحلفاءه استخدموه مبرراً لبناء قوة مسلحة كبيرة خارج إطار الدولة، وعلى نحو انتقص من سيادتها في الداخل.
ولكن إذا كان على قوى الموالاة أن تراجع مفهومها لسيادة الدولة اللبنانية على هذا الأساس، فعلى قيادة حزب الله أن تراجع موقفها بشأن هذه السيادة في الداخل، وأن تعيد النظر بالتالي في الإصرار على أن يبقى سلاح المقاومة كما هو، على نحو ما بدا في خطاب السيد حسن نصرالله بمناسبة عيد المقاومة والتحرير، في اليوم التالي لانتخاب الرئيس الجديد.

ولحزب الله مصلحة حقيقية في مراجعة نهجه تجاه مسألة السلاح، والتعاون لبناء استراتيجية دفاعية في الإطار الذي طرحه الرئيس سليمان.
وترتبط هذه المصلحة بما قاله الرئيس عن استهلاك إنجازات المقاومة في معركة داخلية، ليس لأن هذه المقاومة سوف تكون أولى ضحايا نشوب أي حرب أهلية جديدة فقط، ولكن أيضاً لأن استخدام سلاح حزب الله في الداخل إنما يحقق لإسرائيل أغلى أمانيها.

فقد أثبتت حرب صيف 2006 مدى الصعوبات التي تواجه الجيش الإسرائيلي أمام مقاتلي حزب الله المدربين جيداً بطريقة تجمع بين حرب العصابات، والحرب النظامية، والقادرين على تحقيق أقصى استثمار ممكن لالتفاف الشعب اللبناني في الجنوب حولهم. وليس لدى القيادة العسكرية الإسرائيلية حتى الآن من الوسائل ما يمكن أن يعينها على تجاوز هذه الصعوبات. ولذلك يصبح أي تورط لمقاتلي حزب الله في حرب داخلية، هو السبيل الوحيد لإضعاف قوة هذا الحزب المسلحة.

والمخاطرة الوحيدة في هذا السيناريو بالنسبة إلى الدولة العبرية، وهي أن يسيطر حزب الله على معظم لبنان، يراها معظم الاستراتيجيين الإسرائيليين فرصة لشن حرب عليه، لا حسابات فيها، ولا خطوط حمرا، بخلاف ما كان ضرورياً مراعاته في عدوان 2006. فقد كانت القوات الإسرائيلية مضطرة إلى تركيز غاراتها في مناطق محدودة، وكان ممنوعاً عليها الضرب في غيرها. كما كان عليها مراعاة أنها تضرب في دولة كان على رأسها حكومة تفصلها عن حزب الله مسافة سياسية واسعة. وهذا كله لن يكون قائماً إذا سيطرت قوات حزب الله على معظم لبنان خلال حرب أهلية.

فليس هناك سيناريو أفضل بالنسبة إلى إسرائيل من تورط حزب الله في حرب داخلية تضعف قوته، أو تتيح لها فرصة لاجتياح شامل متحرر من أي حسابات دولية، وفي ظل وضع يرجح أن يدفع معظم القوى الكبرى الرئيسة في العالم إلى إدارة الظهر وترك لبنان الواقع- فى هذه الحالة- تحت سيطرة حزب الله لمصيره.

ولا ننسى أن قوة هذا الحزب، وخصوصاً الصاروخية منها، تؤرق إسرائيل على صعيد آخر يتعلق بمخاوفها من البرنامج النووي الإيراني، وخصوصا إذا تبنت الإدارة الأميركية المقبلة موقفاً أقل تشدداً ضده على نحو قد يدفعها إلى أن تأخذ الأمر بيديها وتهاجم المنشآت الأكثر إثارة لقلقها. والمعضلة الرئيسة أمامها، إذا أرادت اللجوء إلى هذا الخيار، هي الرد المحتمل، بل المرجح، من جانب حزب الله. كما تأمل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، في هذا الإطار أيضا، في إثارة فتنة مذهبية بدت نذرها واضحة ومفزعة حين أنزل حزب الله بعض مقاتليه في بيروت. فالفتنة الشيعية – السُنيِّة، في لبنان، أو أي مكان آخر، تمثل مصلحة أساسية في هذه اللحظة تحديداً لإسرائيل، وهي تنتقل من دولة شبه علمانية إلى دولة يهودية، لابد أن تكون شبه عنصرية لمواجهة المشكلة الديموغرافية التي تزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم، وقد تؤدي إلى تساوي أعداد الفلسطينيين والإسرائيليين على أرض فلسطين التاريخية (إسرائيل الحالية والضفة الغربية وقطاع غزة) بحلول العام 2016، وليس العام 2025 كما كان مقدراً من قبل.
هكذا، يفترض أن تنتهي قيادة حزب الله، إذا أجرت حساباً موضوعياً لعوائد وتكلفة التورط في حرب داخلية إلى أن التعاون لبناء استراتيجية دفاعية للدولة اللبنانية، يمثل مصلحة حقيقية لها، بما يعنيه ذلك من استعداد مبدئي للتخلي من ضمن مدى زمني معقول عن سلاح المقاومة.

وهذا ضروري، أيضا، لاستعادة صورة حزب الله المقاوم وترميم التصدعات التي لحقت بها في كثير من الأوساط العربية من جراء استخدام سلاحه في الداخل. فعلى الرغم من أن الكثير من العرب يحمَّلون فريق 14 آذار جزءاً من المسؤولية، ويرون أن القرارين المتعلقين بشبكة الاتصالات، وأمن مطار بيروت، كانا ارتجاليين وغير مدروسين، فالقليل هم الذين يعتقدون أنه لم يكن ثمة سبيل آخر لإسقاطهما. أما الكثرة الغالبة، فمقتنعون بأن من أصدروا القرارين لم يكن في إمكانهم وضعهما موضع التنفيذ، وأن حزب الله لم يكن مضطراً لان يستخدم سلاحه لمنع تطبيقهما.

مع ذلك، وبغض النظر عن تفاصيل ما حدث، مازال في إمكان قيادة حزب الله أن تستعيد ثقة من أحسنوا الظن بها لفترة طويلة، وأن تنفض عن كاهلها أوزار بعض مقاتليها وحلفائها المسلحين الذين ذهبوا بعيداً في إرهاب بعض أهل بيروت.
والطريق إلى ذلك واضحة، وهو التجاوب مع طرح الرئيس الجديد بشأن الاستراتيجية الدفاعية سعياً إلى تسوية تاريخية، وليس مجرد هدنة سياسية.

المصدر:
أوان الكويتية

خبر عاجل