لبنان واللبنانيّون
قد يكون لبنان حصيلة الجمع بين أهميّة استثنائيّة وتفاهة استثنائيّة.
هو مهمّ استثنائيّاً لتمتّع مجتمعه بديناميّة خاصّة، ولأن تركيبته بالغة التعدّد، عرفت تجربة ديموقراطيّة نسبيّة هي الأرقى في العالم العربيّ من غير أن تكون مثالاً. ولبنان، إلى ذلك، حيث حضر الغرب ونشأت إلفة ما مع لغاته وكيفيّاته وطرائقه، الشيء الذي انعكس على أدائه الثقافيّ وحيويّته. وفي لبنان تُمتحَن الثورات والمقاومات والأنظمة العسكريّة امتحاناً مباشراً، سياسيّاً وفكريّاً وتجريبيّاً.
لكنْ إذا كانت الأهميّة تلك تكبّر مسؤوليّة اللبنانيّين عن أنفسهم وعن بلدهم، فإن التفاهة تصغّر تلك المسؤوليّة وتصغّر أصحابها. يتجلّى ذلك في تشكيل الحكومة والسعي المحموم وراء وزارات الخدمات، كما في رسم الدوائر الانتخابيّة حيث تتمخّض الجبال فتلد ما نعرف. وها نحن في مواسم كتلك نتكشّف وجهاء متوسطيّين صغاراً، يكاد الفارق بين واحدنا والثاني لا يتأتّى إلاّ عن صدفة.
وتجاوُر الأهميّة والتفاهة هو تجاوُر لبنان وغالبيّة اللبنانيّين. الأوّل صاغته الطبيعة ثم شذّبته الصناعة الفرنسيّة ذات الأثر المتراجع منذ انتداب 1920 فاستقلال 1943 وصولاً الى اليوم. وهم نتاج العصبيّة المحليّة الموشّاة بالزجل و «الأصالة» بقدر ما هم معيدو إنتاجها.
ودائماً حلم لبنانيّون بردم الهوّة بين الأهميّة والتفاهة، ظانّين، كلّ على طريقته، أن في وسعهم، بالثورة أو الانقلاب، القضاء على الثانية وتعزيز الأولى. لكن جهودهم كانت تتّجه الى تغيير لبنان، لا الى تغيير اللبنانيّين، أي إضعاف ما هو متقدّم وترسيخ ما هو متخلّف ومتأخّر.
والأحلام سريعاً ما كانت تصطدم بحقيقة مُرّة هي أن هذا الشعب «العظيم» الذي يُراد تمكينه ليس شعباً، بل تساكُن قلق بين جماعات، وذاك البلد «الملعون» الذي يُراد تغييره ذو طاقات خفيّة ومنيعة في آن.
وقصارى القول إن التغيير الممكن لا بدّ له من خريطة طريق تجمع بين تواضع الأهداف وحسن الاستهداف، حيث الغرض جعل اللبنانيّين شعباً، لا بمعنى قوميّ وانصهاريّ يتوهّم إزاحة الخصائص وإزالة التناقضات، بل بما يستدعيه قيام الجماعة الوطنيّة ووجود شأن عامّ جامع يعبر الطوائف.
والبناء التدريجيّ والمديد للشعب يعادل البناء التدريجيّ والمديد للدولة حيث تتنافس نظريّتان، واحدة يجوز أن نسمّيها الدولة الطاهرة وأخرى نسمّيها الدولة القادرة. الأولى تدور حول محاربة الفساد وإقامة العدل، ومشكلتاها أن الأحلام وحدها هي التي تبشّر بالانتقال، بين ليلة وضحاها، من عالم الخطيئة الشاملة إلى عالم الفضيلة المثلى، وأن دولة كليّة الضعف لا تستطيع أن تكون نزيهة ولا عادلة أصلاً. والثانية ترى أن المدخل إلغاء ازدواج السلاح، ولو بالتعايش، لفترة، مع كثرة الفساد وقلّة العدل. وأقوى ما في النظريّة هذه ارتكازها الى حقيقة أساسيّة تفيد أن السياسة وُلدت لمكافحة العنف، لا لمكافحة الفساد وسائر العاهات التي يُناط بالنظام مكافحتها. وفقط بعد أن تتأسّس السياسة وتتوطّد يمكن تحسين النظام، شريطة ألاّ توضع بين المهمّتين عوائق مستعصية.
بيد أن ما يرقى إلى كارثة أن أصحاب النظريّتين ليسوا جديّين في نظريّتيهم. فهم، بعد كلّ حساب، لبنانيّون جدّاً. أما لبنان فيصعب، بهم، أن ينجو من قدر «الساحة».