"حزب" الاستراتيجيا ومسيحيو الانتخابات
انشغل "حزب الله" القائد الابرز بل ربما الأوحد للطائفة الشيعية اللبنانية في هذه المرحلة على الاقل منذ التطورات السلبية التي بدأ يشهدها لبنان اواخر عام 2004 والتي بلغت ذروتها بانسحاب القوات العسكرية لحليفته سوريا من لبنان رسمياً في ربيع عام 2004 – انشغل بأمرين بالغي الاهمية له ولحلفائه الاقليميين. الاول كان، ولا يزال، الانفراد بالقيادة الفعلية للشيعة في لبنان رغم سماحه باستمرار تعدد القيادات داخلها شكلياً وترسيخ الانتماء العقائدي والايديولوجي والمذهبي والمصلحي بين الشيعة والحزب وتحويل الشيعة طائفة عسكرية او بالاحرى طائفة مسلحة بل مُحارِبة واستعمالها لاحقاً سواء بالترغيب او الترهيب او من طريق الاغراءات، وما اكثرها، من اجل تحقيق اجندة داخلية تلحظ مواصلته قضم النفوذ داخل الادارات والطوائف والمذاهب المتنوعة تمهيداً للتوصل الى السيطرة التامة على لبنان، وإن على نحو غير مباشر على الاقل الآن وفي المستقبل المنظور. اما الامر الثاني الذي انشغل به "حزب الله" فكان انجاح استراتيجيا الجمهورية الاسلامية الايرانية وهو جزء منها باعتراف امينه العام في آخر خطاب له وذلك عندما ابدى افتخاره واعتزازه بكونه فرداً في حزب "ولاية الفقيه". وهي السعي الى ترسيخ نفوذها في لبنان وسوريا وفلسطين فضلاً عن العراق وذلك بقصد تشكيل خطر جدي على اسرائيل ومصالح حاميتها اميركا وتالياً فرض قبول الثانية بوضع ايراني متميز في المنطقة من دون اضطرار طهران الى تقديم الكثير من التنازلات او اجراء الكثير من التغييرات سواء داخل بلادها او مع حلفائها.
وكان الامر الثاني ايضاً توظيف الداخل اللبناني بعد اجراء تغييرات مهمة فيه بغية اعادة الاعتبار الى سوريا وحلفائها اللبنانيين عقب الهزيمة التي لحقت بهم بعد اضطرارها الى سحب قواتها من لبنان تحت ضغط المجتمع الدولي بقيادة اميركا وضغط غالبية مهمة من الشعب اللبناني. وما يراه اللبنانيون اليوم على ارض الواقع في بلادهم يشير الى ان الحزب المذكور نجح الى حد كبير في تحقيق الامرين او الهدفين اللذين حددهما لنفسه او اللذين حددهما له رعاته الاقليميون بل حماته وفي مقدمهم ايران. وما كان ذلك ليحصل في الدرجة الاولى لولا التحالف الذي نسجه مع "التيار الوطني الحر" بقيادة العماد ميشال عون زعيم الغالبية المسيحية في لبنان على الاقل منذ عودته من منفاه الفرنسي الى ما قبل اقل من سنة، واستمالته زعامات وشخصيات سنية لبنانية شكّل آل الحريري وتحديدا "تيار المستقبل" الذي اسسه عميدها الشهيد رفيق الحريري تهديداً جدياً لها ولنفوذها، ولولا مبادرة سوريا الى تجيير حلفائها اللبنانيين المباشرين من زعامات واحزاب وشخصيات الى الحزب، واضطرار زعامة درزية مهمة تاريخياً رغم ما اصابها من وهن في العقود الثلاثة الماضية الى التحالف معه حفاظاً على ما تبقى لها من وزن سياسي ورغبة في استعادة مجد تليد.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه انطلاقاً من كل ما هو مشروح اعلاه هو: هل نجح كل الذين اعتمد عليهم "حزب الله" لتحقيق مشروعه ذي البعدين الداخلي والاقليمي في تحقيق اهدافهم؟ وهل كانت لهم هم أيضاً اهداف مهمة استراتيجية؟
الجواب عن ذلك، ويا للاسف الشديد، ليس ايجابياً على الاقل حتى الآن او بالاحرى لا بد من انتظار الوقت واستحقاقات معينة لمعرفة اذا كان هذا الجواب ايجابياً او سلبياً. مع الاشارة الى ان التطورات التي شهدتها البلاد في الشهرين الاخيرين من عسكرية وسياسية لا توحي كبير ايجابية. فـ"حزب الله" استخدم سلاحه في الداخل. ورغم ان ذلك كان مطلب "ممثلي" الغالبية المسيحية اعتقاداً منهم انه سيقربهم من تحقيق اهدافهم الشخصية فعلاً والعامة شكلاً، فان هذه الغالبية ومعها "الاقلية" كما يزعم زعيمها فوجئتا بما حصل. كما انهما فوجئتا بالتصريح العلني بالانتماء الى ولاية الفقيه الايرانية مع كل ما قد يرتبه ذلك مستقبلا على لبنان وشعوبه ومنها المسيحيون. وكان زعيم هذه الغالبية ادرك ان "الناس" عنده كما عند غيره يتساءلون بقلق عن كل ذلك، فحاول طمأنتهم ولكن بطريقة غير جدية بدا فيها انه لا يستطيع ان يطمئن احداً. وبدلا من ان يهتم المسيحيون في هذه الفترة وزعيم غالبيتهم كما يعتبر نفسه بالوضع الوطني العام في ضوء النتائج الميدانية لما حصل ومحاولة توظيف النتائج العسكرية سياسياً بعد اتفاق الدوحة ووفقاً له، وفي ضوء محاولات عربية واوروبية لتعويم دور سوريا بعد طول عزلة وربما لتكليفها ادواراً اقليمية قد يكون لبنان من ضمنها من جديد، وهذا امر تفعله او تحاول ان تفعله قيادة الغالبية السنية ولا يقف ضده سنة المعارضة او سنة "حزب الله" على ما صرح قادتهم الاساسيون اثناء "الحرب" الاخيرة – بدلاً من كل ذلك فان المسيحيين يستمرون في التقاتل في ما بينهم على الزعامة والحصص والكراسي. فذاك يزعم انه حسّن في الدوحة التمثيل الانتخابي للمسيحيين. وذاك يزعم انه حرر في الدوحة المقاعد النيابية المسيحية. والاول اظهر بزعمه ان الاولوية الآن هي لتكريس زعامته والحد من خطر الزعامة الاخرى. والثاني اظهر بزعمه نوعاً من "الفكر الأمنياتي (من أمنية)" اذا جاز التعبير. اذ في مقابل تحرير مقاعد المسيحيين في زغرتا والبترون من الغالبية الناخبة السنية، من يضمن تحرير مقاعدهم في اقضية الجنوب من الغالبية الناخبة الشيعية؟.
في اي حال نحن هنا لا نحرض المسيحيين على "حزب الله" والمسلمين الآخرين. بل نحاول وضع الامور كما هي امام الناس او كما نراها، علماً ان المستقبل قد يظهر خطأنا او صواب رؤيتنا وذلك بغية دفعهم كلهم شيعة وسنة ومسيحيين (اقلية وغالبية) ودروزاً الى الاقتناع بأنهم الآن في مرحلة اعادة بناء الوطن الذي انهار بفعل انقساماتهم وتدخل الخارج المتنوع والمتناقض وليس في مرحلة الاعداد لانتخابات نيابية فقط، فهل يأخذون هذا الامر في الاعتبار؟