صحوة منزوعة السلاح!
يتّخذ التنافس الحار بين القوى المسيحية تحديداً على اقتطاع اوسع تمثيل حكومي ممكن لها في "حكومة تسوية الدوحة" بُعداً متميزاً جداً يتصل بخصوصيات لا تنسحب بالضرورة على الشركاء الآخرين في الطوائف الاسلامية، حتى لو اندرج التسابق بين الجميع على التوزير الكثيف في اطار الاشتعال المبكر للحسابات الانتخابية.
فالمفارقة المسيحية تضع العماد ميشال عون وتياره وتكتله اسوة بأنداده وخصومه في قوى 14 آذار المسيحية، اي "القوات اللبنانية" والكتائب و"لقاء قرنة شهوان"، امام مفترق مصيري حاسم في تحديد احجام هذه القوى وقدرتها التمثيلية والتعبوية والتجييشية من الآن وحتى موعد الانتخابات النيابية اكثر من اي قوى اخرى في التحالف الحكومي المنتظر.
وتبعاً لذلك، برز فارق "تاريخي" فعلا في سلوك هذه القوى على ضفتي الاكثرية والمعارضة مخالف تماما لسلوك الكتلتين المسيحيتين الكبيرتين عقب ابرام اتفاق الطائف، وينم واقعاً عن نضج لا بد من الاعتراف به موضوعيا لكل منهما ولو انه جاء مثقلا بذاكرة تاريخية دموية ومثقلة بالاخطاء التاريخية. فالكتلة المعارضة كما الكتلة الموالية، تقبلان على دخول الحكومة من دون هوادة مع رفع في سقف الشروط والمطالب بعدما جرّبت كل منهما الثمن القاتل بعد الطائف للادبار عن السلطة ولو كان لذلك الادبار آنذاك البعض الكثير مما يبرره في ظروف الصراع مع سلطة الوصاية السورية التي كانت تحظى بتفويض اميركي تحديدا. العماد عون دفع ثمن رفضه الطائف في عملية 13 تشرين ونفيه، والدكتور جعجع دفع ثمن ادباره عن القبول بحصة متواضعة في الحكومة والتسليم بالقواعد السورية للطائف السوري سجناً 11 عاماً. الآن يختلف الامر تماما، ويُقبل العماد عون على دخول الحكومة مدججا بحصة تناهز نصف مقاعد المعارضة مجتمعة، كما يقبل الدكتور جعجع على دخولها حتى بترشيح شخصي ومثله الكتائب و"قرنة شهوان" على نحو يراد له ان يحدث توازناً في مواجهة الموقع الطارئ للخصم المسيحي المعارض وحليفه ذي السطوة الآحادية المطلقة في الطائفة الشيعية.
وأبعد من الحسابات المتصلة بالمعركة الانتخابية التي اقحمت جمل المصائر السياسية الكبرى في خرم ابرة "حكومة التسوية"، يكشف هذا الاحتدام المسيحي "المنزوع السلاح" افضل نموذج حي يمكن ان يقدمه المسيحيون، من حيث لا يقصدون ربما، الى الشركاء الآخرين الذين كادوا ان يغرقوا في "حرب الغاء" الشهر الماضي على "شفاء مسيحي" من أعراض الادبار عن الدولة ومنطق الدولة، ولو كانت مسؤوليات خارجية لم تقيد بعد في تاريخ تلك الحقبة الدامية دفعتهم بدورها الى ذلك الجحيم. ومهما تعاظمت شروط هذا التنافس وتعقّدت وعقّدت معها الولادة العتيدة للحكومة، فهي تحمل ملامح صحوة مسيحية اطلقها استرداد الموقع الضائع للمقام الاول في هرمية الجمهورية، ولا يجوز في هذا الاطار اغفال المغزى الساحق لاطلاق هذا التطور عقب "نجاة" المناطق المسيحية مما كان يمكن ان يلحق بها لو لم تضع حرب الاخوة – الاعداء في بيروت الغربية والجبل وبعض البقاع اوزارها بسرعة.
وكل العبرة يبقى في سياسة منزوعة السلاح، مهما قست ملامح التعبير عن هذه السياسة.