Site icon Lebanese Forces Official Website

لبنانكم ليس صالحاً للسكن

لبنانكم ليس صالحاً للسكن…

بمقدار ما نبتهج بالسلم الذي نذوقه، بمقدار ما نرتعب من سلم صنعه الخارج، وفرضه الخارج، وسيحميه الخارج من اي اهتزاز، الى ان يقرر هذا الخارج نفسه ان العناصر التي أملت السلم الذي هبط فجأة قد انتهت، وحان وقت النزال من جديد، او يقرّر الانتقال من هدنة هشة الى تسوية سياسية متينة الركائز.
بمقدار ما نشكر الخارج الذي علّق موت لبنان، نفجع برموز الداخل الذي استقال كليا من مهمته، وفتح احشاء البلد على العمليات الجراحية بمباضع غير لبنانية.

نتهلّل، طبعا، لاتفاق الدوحة، ونسرّ باختيار العماد ميشال سليمان رئيسا، بسبب ما تجلّى، في سحابة اسبوعين فقط، من بساطته وتواضعه وخلو خطابه من كل ادعاء او انتفاخ او وعود بالاعاجيب. يبدو اننا امام رئيس "عادي"، "طبيعي"، لا يطرح نفسه كائنا خارقا، ويدرك توازنات البلاد وحدود قدراته، وفي ذلك ما يريح.

لكنه ارتياح من بات يقنع بأقل من القليل. ارتياح من لا يطمح الى اكثر من فتح الطرق وازالة السواتر وسحب المسلحين من الازقة، وتمضية صيف بارد مع حكومة عاقلة.

لقد اكتشفنا، مرة اخرى، ان سقفنا يجب ان يكون شديد الانخفاض، اذا شئنا استمرار العيش في بلاد التوحش.
يكفي ان تجري الانتخابات بالحد الادنى من التزوير والبلطجة. يكفي ان نبدأ حوارا مفتوحا بلا نهاية حول مستقبل "حزب الله" وسلاحه. يكفي ان تكون الاغتيالات والعبوات قد توقفت، وتراجع الاحتقان في العلاقات اللبنانية – السورية. يكفي ان نعيد "ترقيع" البلد او لملمة أشلائه بالتي هي احسن. يكفي ان يحرّك السياح دورة الاقتصاد، فيعتاش الناس قليلا. يكفي ان نمضي اشهرا من غير هياج طائفي في الاذاعات ومنابر الاعلام.
لماذا هذا التواضع الشديد في الامنيات؟

لانه، في يقيننا ان جلّ اللبنانيين مرتاحون الى هذا النظام الطـــائــفــي الــذي يبقي لبنان مرتهنا للخارج الاقليمي والدولي.
فاللبنانيون يهجون الطائفية في مجالسهم المختلطة، لكنهم جاهزون لافتدائها بالارواح، اذا اختلّت ركائزها.
لقد كنا صبية، شلة من الحالمين، نريد ان نفصّل البلد على قياس اشواقنا، ولم نتعلّم حرفا من زياد الرحباني.
لم نتعلم ان النظام الطائفي (مجددا: هو اصل الارتباط بالخارج) اكثر رسوخا وشعبية وديمومة من شطحات العلمانيين.

اليوم، وبكثير من القرف، سنحني رؤوسنا امام رغبات "الجماهير" المفتونة بطوائفها، وامام طبقة سياسية صلبة، شرسة في الدفاع عن نظامها.
لن نخترع بلادا على ذوقنا، ولن نسكن في الاسطورة الرحبانية او في اناشيد الظفر والبهاء.
لن ننكر شهداءنا، ولن نتخذ سواهم ايقونات، فهم باقون في النور وفي ضمائر شبيبة لم تتلوّث، لكننا فقط سنكفّ عن التبشير بأن حياة جديدة ستولد من هذا الخراب، وسنقول:

ما دام النظام العربي، الرسمي والشعبي، هو ما هو،
وما دام النظام الطائفي اللبناني اكثر صلابة من جميع سواعدنا،
وما دامت الشعوب اللبنانية مرتاحة الى نظامها المجيد، ما خلا قبضة من الانقياء،
… فإن لبنانكم ليس صالحاً للسكن.

Exit mobile version