#adsense

مفاوضات أم انتخابات؟د. ناصيف حتي

حجم الخط

مفاوضات أم انتخابات؟
د. ناصيف حتي – المستقبل

يشبه مثلث التفاعلات التفاوضية أو شبه التفاوضية الإسرائيلية الفلسطينية الأميركية قطاراً يحدد "السائق" الإسرائيلي وجهة سيره وسرعته فيما يقوم الأميركي بدور مهندس القطار وهمه الوحيد ان يبقى القطار على السكة ولو تحرك باتجاه معاكس أو تحرك ببطء شديد حتى لو توقف، مادام المحرك يعمل، في حين ان الفلسطيني هو الراكب في الدرجة السياحية ينتظر الوصول إلى محطة الدولة الفلسطينية التي ينشدها ذلك ان البديل الآخر للانتظار هو الخروج من القطار وهذا غير قائم إذ يراهن دوماً على "المهندس" لتوجيه دفة السير وإعطاء قوة الدفع للقطار.

عنصران يجمعان بين قيادات الأطراف الثلاثة في هذا المثلث: أولهما الضعف الذي يعتري كل قيادي وسلطته في الداخل مع ازدياد المعارضة له مما يحول اهتمامه أساساً لاحتواء تداعيات هذا الوضع على حساب أي مبادرة جريئة قد ينوي القيام بها تجاه رج. وثانيهما وجود استحقاق انتخابي ضاغط يضع حداً لحرية الحركة بشكل أساسي. الرئيس الأميركي تنتهي ولايته في مطلع كانون الثاني وكذلك الرئيس الفلسطيني حسب القانون الأساسي الفلسطيني وعليه إصدار مرسوم رئاسي ثلاثة أشهر من الموعد المحدد للدعوة لإجراء انتخابات رئاسية. وهناك تفكير في القيادة الفلسطينية لتمديد ولاية رئيس السلطة لعام آخر لصعوبة إجراء انتخابات رئاسية في الظروف الفلسطينية القائمة، وهو أمر ترفضه "حماس" بالطبع وتهدد باتخاذ إجراءات مضادة، ذلك ان هذا الإجراء إذا حصل غير شرعي، وهي التي تسيطر على المجلس التشريعي. فالسلطة الفلسطينية تواجه أمام هذا الاستحقاق المقبل مخاطر الفراغ أو ازدياد الانشقاقات وتعميقها حول موقع الرئاسة التي لهذه اللحظة ما زالت تحظى بالإجماع على الأقل على مستوى الشرعية الدستورية. وقد تنقل عدوى الاشتباكات الدستورية اللبنانية إلى الساحة الفلسطينية إذا لم يتم التوصل إلى تسوية استباقية لهذا الوضع. وإسرائيلياً بدأ العد العكسي أمام أولمرت مع انفجار قصص الفضائح التي تلاحقه.

وفي هذا السياق يمكن القول ان هناك احتمالات ثلاثة أساسية أمام "السائق" الإسرائيلي لقطار المفاوضات الذي للتذكير لم ينطلق بعد من محطته: الاحتمال الأول استمرار أولمرت في شراء الوقت وتأخير خروجه من السلطة وهو يحاول من زيارته الأميركية الحصول على شحنة أوكسجين خاصة ان واشنطن في هذه الفترة الحرجة بحاجة للحفاظ على نوع من استمرارية الشكل في ما يتعلق بسياق المفاوضات وغير راغبة في حصول أي خضّات قد تتأتى من حدوث فراغ في قيادة القطار أو اشتباك حول دور السائق. وما قد يساعد في شراء الوقت عند أولمرت محاولة تحقيق بعض الإنجازات التي تساهم أيضاً في الحدّ من الخسائر عند خروجه من السلطة، إنجازات من نوع تحقيق بعض التهدئة الممكنة في غزة والنجاح في عملية تبادل أسرى مع حزب الله وحماس وربما أيضاً ـ رغم ان ذلك صار من الصعب تحقيقه ـ الدفع لعقد اجتماع دولي تحت عنوان "تثبيت ما تم ويتم الاتفاق عليه في المفاوضات" كما يطرح صديقه في حزب كاديما حاييم رامون علماً ان الموقف الإسرائيلي الرسمي كان دوماً معارضاً لعقد اجتماع أنابوليس ـ 2 لكن حدوث مهرجان دولي من هذا النوع تتخلله ديبلوماسية الصور المشتركة قد يسمح بتعويم أولمرت بعض الشيء أو يخفف من التداعيات السلبية لسقوطه القريب.

ويقول البعض ان من الإنجازات الممكنة الإعلان عن اتفاق إطار جزئي حول الحدود الفلسطينية الإسرائيلية ولكنه بالطبع سيكون أيضاً "اتفاق رف" مؤجل ويصعب تمريره فلسطينياً.

ثانياً، اشتعال الحرب في إطار حزب كاديما والحفاظ على الحكومة مع تغيير رئيسها.

ويحاول أولمرت في هذا الصدد توريث شاوول موفاز منصبه ويحظى الاخير باحترام كبير في الحزب كوزير دفاع ورئيس هيئة أركان الجيش سابقاً وهو حليفٌ ثقة لأولمرت، وذلك بتعيينه أولاً قائماً بالأعمال ثم الانسحاب لمصلحته. وفي السياق ذاته قد تنجح وزيرة الخارجية تسيبي ليفني المتطلعة دوماً إلى مقعد أولمرت في إحداث انقلاب تتولى من خلاله قيادة الحزب. وهنالك عنصران يدفعان باتجاه إنجاح سيناريو تغيير الرئيس دون تغيير الحكومة أولهما عنصر ضاغط على كافة أطراف الصراع في كاديما وقوامه ان عدم الاتفاق وسقوط الحكومة والدعوة إلى انتخابات مبكرة سيعني خروج الحزب من السلطة وربما اندثار الحزب الذي تشكل أساساً من غاضبين من الليكود وحزب العمل. هذا العنصر قد يدفع باتجاه التوصل إلى تسوية في الصراع القائم والذي يزداد حماوة في الحزب. العنصر الثاني هو ان وزير الدفاع ايهود باراك زعيم حزب العمل والشريك في الحكومة الائتلافية يؤيد ليفني كما يؤيد هذا السيناريو بشكل عام لكي يبقى في السلطة ويبقى له دوره باعتبار انه من شبه المؤكد ان تغيير الحكومة سيقضي على باراك وسيزيد ضعف حزب العمل. هذا في حين ما زال يلمح باراك حفاظاً على "خط الرجعة" بدعمه لإجراء انتخابات مبكرة.

ثالثاً، حدوث انتخابات مبكرة والبعض يقول في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل خاصة ان حزب شاس الديني، الشريك في الائتلاف الحكومي والذي يساوم الآن في لحظات ضعف أولمرت للحصول على مكاسب جديدة في ما يتعلق بالضمانات الاجتماعية لجمهوره، قد يتفق مع زعيم حزب الليكود بنيامين نتانياهو صاحب الحظ الأكبر في الفوز هو وحزبه في الانتخابات المقبلة للدخول معه شريكا في ائتلاف حكومي جديد إذ تشير كافة الاستطلاعات إلى ان اليمين العلماني واليمين الديني المتطرف قادر على ان يحصل على كتلة برلمانية توفر له أغلبية مريحة لتأليف حكومة جديدة.
وأياً يكن السيناريو المحتمل فإن القسم الثاني من عام 2008 الذي كان قد وعد الرئيس الأميركي بأنه سيشهد تحقيق السلام أو على الأقل التفاوض الناجح للاتفاق على أسس السلام الكامل لن يكون إلا فترة صراعات انتخابية عند "السائق" الإسرائيلي لقطار المفاوضات بحيث تصير سياسة الانتخابات هي السياسة التي ستحكم بشكل كبير لا بل ستطغى على سياسة المفاوضات، أو تحديداً على سراب المفاوضات، وهي في نهاية الأمر سياسة إسرائيلية أحادية في ما يتعلق بقطار التفاوض.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل