#adsense

استباحة العاصمة وبعض الجبل تُعطّل المسار السياسي في لبنان

حجم الخط

تجميد البحث في تشكيل الحكومة حتى تنفيذ الشق الأمني من اتفاق الدوحة
وأسئلة كثيرة في بيروت عن الحماية العربية.. المُفترضة

استباحة العاصمة وبعض الجبل تُعطّل المسار السياسي في لبنان

إتفاق الدوحة في خطر. ركيزته الأساسية التي هي أمن المواطنين قد جرى خرقها.
في العاصمة جرائم بالجملة، فالتهديدات لا تتوقف، والتعديات على حرمات المنازل لا تنتهي، والإنتشار المسلح على مفارق الطرق في ساعات الليل دوري، والخطف، تحت مسمى التحقيق في الغرف السوداء لدى قوى الأمر الواقع، لا يعرف حدا، وقتل المواطنين على أساس هواهم السياسي قد عاد الى الواجهة، في ظل رسائل تمنع الكثيرين من العودة الى منازلهم تحت طائلة التصفية.

وفي الجبل، وإن كانت الأحوال أهدأ بفعل عدم قدرة المسلحين على استباحته في "غزوة أيار"، إلا أن البلدات التي تسيطر عليها الميليشيات المسلحة، لا تعرف ليلة هانئة، حتى أنه بدأ نصب حواجز طيارة في كل من القماطية وكيفون، حيث سُجل التعدي على أربعة شباب ينتمون الى "الحزب التقدمي الإشتراكي".

وفي مناطق البقاع والجنوب والضاحية، ترهيب غير مسبوق لأبناء الطائفة السنية المقيمين هناك، من خلال استدعاءات دورية بعضها يجري بعد منتصف الليل، في حين أن المعارضين لنهج الدويلة "الربّانية" المنتمين الى الطائفة الشيعية بدأوا يتلقون "الإنذار الأخير".

وعلى امتداد البلد، باتت مكشوفة الجهة التي رشّت المياه على "مزرعة الإرهابيين"، ليفيقوا من سباتهم ويسرحوا في اتجاه الداخل اللبناني، وليس أدل على ذلك من تلك الإتصالات التي جرى رصدها بعد الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في جلسة القسم وأدت الى التنبه للإرهابي "المزنّر" الخارج من مخيم عين الحلوة، ومنصة الصواريخ التي كانت منصوبة على احد مداخل "قاعدة أحمد جبريل" التي يحميها "حزب الله".. ويُحرّكها أيضا.

أمام هذه الحقائق، ماذا يبقى من اتفاق الدوحة ؟

عمليا متى استبيح الشق الأمني من الإتفاق سقط كل الإتفاق، باستثناء الخطوات التي تكرّست دستوريا، أي انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا توافقيا.
الكلام على حكومة وحدة وطنية فيها الثلث المعطل للقوى التي ترعى الإرهابيين وعمليات ترهيب الناس المنظمة والإعتداء على أرواحهم وممتلكاتهم، لا يعود منه أي جدوى، لأن المكتوب يُقرأ من عنوانه، فالمطلوب تزوير اتفاق الدوحة ليصبح إتفاقا بين غالب ـ هو المجرم ـ ومغلوب ـ هو الضحية، تماما كما فعل النظام السوري باتفاق الطائف، حين بدأ تزوير مقاصده بترهيب الطبقة السياسية التي كانت تعرف أن له اليد الطولى في اغتيال الرئيس رينيه معوّض.

وعلى هذا الأساس، يُصبح من المنطقي أن يتم توقيف كل المسار السياسي الذي أطلقه اتفاق الدوحة حتى يتم التقيّد بالشق الأمني منه، أي سحب المسلحين من الشارع نهائيا، وتسليم الأمن بالكامل للقوى الأمنية الشرعية، بطريقة لا يعود معها المسلح قادرا على ممارسة جرائمه على المواطنين، وهنا السؤال الكبير عن الدور الذي يُفترض أن يُمارسه القضاء اللبناني.

ولا يستطيع أي كان أن يدّعي ان تجميد المسار السياسي، بما فيه مسار تشكيل الحكومة ـ المعرقل أساسا ـ هو استهداف لانطلاقة ولاية رئيس الجمهورية، على اعتبار أن الرئيس سليمان هو الضحية الأولى لهذا التفلّت الأمني، لا بل أن من يُدقّق جيدا بحركة الأرض يُدرك بعمق أن زعزعة "الهدنة الأمنية" بدأت فور انتهاء "الرئيس التوافقي" من إلقاء خطابه المتوازن والرصين، حيث تعلو الدولة فوق كل اعتبار آخر.

أكثر من ذلك، فإن الرئيس سليمان شخصيا، يعرف ان استهداف المواطنين في لبنان عموما وفي بيروت خصوصا، إنما يستهدف توسيع الهوة التي تفصله عن أولئك الذين سبق وقُتلوا وأهينوا وخطفوا واستُبيحوا، عشية انتخابه، كما تستهدف علاقته بقادة أصروا على ان تُنجز عملية انتخابه، متعالين على صراخ الألم النابعة من جراح جماهيرهم "المغزوّة".

ولعلّ من يُراقب الاداء السياسي للفريق الذي تنبثق منه ميليشيا المسلحين، يُدرك جيّدا ان الرئيس سليمان هو في مرمى الهدف، بحيث يتم "تخوينه" بالواسطة، من خلال الإدعاء أن بعض الشخصيات التي يعمل على توزيرها في فريقه ـ وفي مقدمها الوزير الياس المر ـ هي، باللغة المباشرة والمحسوبة، أميركية، وباللغة الإستخباراتية التي يمكن التنصل منها، إسرائيلية.

من هنا لا بد من تغيير قواعد اللعبة، وهذه مسؤولية جامعة الدول العربية واللجنة الوزارية العربية التي ترأسها دولة قطر، بصفتيهما الطرف الضامن لاتفاق الدوحة.

ووفق القراءة اللبنانية، فإن مسؤولية هذا الطرف تقتضي منه، بالحد الأدنى إرسال لجنة مراقبة لحسن تنفيذ الشق الأمني، وبالحد الأقصى إرسال قوات عربية لحماية أبناء بيروت، لأن العملية السياسية تبقى قصرا قابلا للإنهيار، إن لم يتم ترسيخها على صخرة الإستقرار الأمني.

وليس هناك مراقب إقليمي واحد إلا ويعرف أن سوريا وإيران تقفان وراء هذا التفلت الأمني في لبنان، فالرئيس السوري بشار الأسد يريد، مرة جديدة، أن يتخذ من أرواح اللبنانيين رهينة، حتى يُجبر المملكة العربية السعودية وبعدها مصر على تطبيع العلاقات معه، كما أن إيران تريد إبقاء لبنان في حالة المراوحة حتى تنقشع أمامها رؤية ما بعد "رزمة الحوافز" التي يحملها اليها خافيير سولانا.

إلا أنه في مرحلة إنتظار القرار العربي، لا بد من أن تتحمّل القوى الأمنية اللبنانية مسؤولياتها الجسام، بحيث توضع خطة أمنية لبيروت والجبل، يتم من خلالها، ليس منع الإنتشار المسلح فحسب، بل وضع حد لانتشار السلاح في الأزقة بيد الميليشيات المعروفة، وتحريك القضاء اللبناني ليقوم بواجباته البديهية.
وحتى تلك الساعة، تُصبحون.. على حكومة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل