#adsense

فينوغراد إيراني-جيلان جبر

حجم الخط

فينوغراد إيراني
جيلان جبر – المستقبل

لم أتوقع وأنا أتابع حديث أستاذنا الكبير محمد حسنين هيكل في ندوته بنادي القضاة مؤخرا، أن يكون هذا التقييم للأحداث اللبنانية وهذه مواقفه من "حزب الله" والدولة الإيرانية..

فاسمح لي يا أستاذي بما أنك تؤمن بهذه الديموقراطية وتقول إنك لا تراها في الدولة اللبنانية.. أن نحاول إيجادها سويًا عبر طريق أسلوب الطرح والكلام في هذا المنبر الذي يحترم جميع الآراء وعقول القرّاء..

أولاً: لقد تفضلت بالقول "إنّ حسن نصر الله نظلمه عندما نقول عنه رجلَ أو عميلَ إيران في لبنان"، وهذا غريب؟ إذاً بماذا تفسر ما شهدناه مؤخراً وهو يقول بصوت متشنج "اني افتخر ان اكون فرداً في حزب ولاية الفقيه العالم الحكيم الصادق.."، أليس هذا إثباتاً كافياً لولائه، بخاصة أنه أنزل صفات من أسماء الله الحسنى على شخص هذا الفقيه الإيراني الذي لا يعتبر عند الله أفضل من باقي البشر إلا بالتقوى؟..

كما سمعنا "علي لاريجاني" يؤكد أن السيد حسن نصرالله "هو حصن المقاومة" وان الانتصار السياسي الذي تحقّق مؤخراً في لبنان "هو بداية لانتصار أكبر". هذا التصريح يؤكد لك أن ما يقوم به "حزب الله" ليس لحساب لبنان فقط، ولكن هناك حسابات أخرى أكبر، ويمكن أن تعتبره توضيحاً لأن هناك عقيدة تمتد من ايران الى لبنان، وما يقال عن السلاح لتوازن الرعب هو ليس لرعب اسرائيل فقط ولكن لشركائهم في الوطن ورسالة لجيرانهم العرب..، فإنّ الدعم الايراني المادي الذي يصل إلى مليار دولار والعسكري النوعي، يجدّد سنويًا ويأتي بشكل مباشر لـ"حزب الله" من دون أن يأخذ شكل تعاون أو رقابة من الدولة ومن دون الدخول في تفاصيل. فكلّها متوافرة في مذكرات "محمد حسن أختري" السفير الإيراني لدى سوريا الذي اكد دوره المهم في بناء "حزب الله" وتحويله الى مؤسسة ذات كيان مستقل عن الدولة..

واتضح ذلك للجميع بعد سنوات طويلة ساهم في تغيير التركيبة اللبنانية حتى استطاع "حزب الله" والمجموعة المتحالفة معه إطاحة مشروع الدولة، وظهر ذلك بعد خروج سوريا من لبنان عام 2005. وتم التركيز على إيضاح دور وقدرة دولته مع ترك الباب مفتوحاً لنفوذ إيران وهيمنة سوريا على قرار لبنان، والدليل تعطيل الانتخابات الرئاسية لمدة عشرين جلسة انتخابية، وغلق البرلمان لأكثر من عام مع محاولات مستمرة لإسقاط الحكومة مرة بالاعتصام ومرة بالاستقالة أو بالتهديد والتخوين والتظاهر والعصيان. وفي النهاية تم حمل السلاح على المواطنين الآمنين حتى يتم فرض واقع جديد على المنطقة…

ثانياً: كلام الاستاذ هيكل عن "أن الازمة اللبنانية الاخيرة غير واضحة المعالم وما زالت تفاصيلها غامضة حتى الآن"، فلا اتصور أن استاذنا الذي يتعمق في قراءة التاريخ ويترجم لنا الحاضر والمستقبل، يخفى عليه تحليل هذا الأمر، ولكن اعتبر ذلك مجرد تعليق ديبلوماسي منه ينأى فيه عن تقييم تصرفات "حزب الله" مؤخراً حتى لا يظهره بالمعتدي المخطئ وهو في نظر البعض ما زال يرغب ان يكون ضحية، والمشكلة ان هذه المرة بالذات صعب أن يلعب هذا الدور، فمن عاش وشاهد الموقف على الأرض يعلم مدى عمق الجرح ومدى الخسارة الوطنية التي تسببت بها غزوة "حزب الله" على بيروت.

ثالثاً: القول "إن تركيبة لبنان صعبة وان بعض الدول العربية تلعب هناك بهدف إحراج سوريا"، الحقيقة يا سيدي الفاضل أن سوريا لا تحتاج لمن يحرجها لا من الدول العربية ولا من الدول الاجنبية، فهي بمجهودها الخاص تحترف إحراج نفسها بنفسها، اما عن طريق تصريحات او تصرفات، والعديد من الجهات تؤكد ذلك حتى حليفتها إيران…

رابعاً: اما عن قولك في موضوع عماد مغنية والتحليل "بان هناك ثلاث دول متواطئة في عملية الاغتيال"..، فلا ترى هنا بالذات يا استاذي ان مكان وموقع الاغتيال الذي كان في دمشق وامام مركز للمخابرات السورية يجعلنا امام احتمالين فقط:

­1 ان تورط سوريا بالاضافة لدولتين عربيتين الآن هو امر شديد الصعوبة لأن سوريا في هذه الفترة لا تملك علاقات قوية مع العديد من الدول العربية تسمح لها بضمان نجاح هذا المخطط، وغالبًا هذه الدول لها حسابات ومصالح أخرى مما يجعل هذا الاحتمال شبه مستحيل…
­2 الاحتمال الثاني هو ان هناك ثلاث دول عربية لم ترغب ربما انت في تسميتها (السعودية ومصر والاردن) هي من فعل ذلك، وإن افترضنا صحة الاحتمال فهذا يعني أن سوريا وجهاز مخابراتها يعانون من غيبوبة واصبحت هناك دولة مستباحة.. وهذا أيضاً مستحيل، فسوريا في كامل قدرتها على التحكم والحكم، إذاً…؟! أترك للقراء التحليل وإرسال النتيجة…

خامساً: وعن كلامك "أن السوريين قد ارتكبوا اخطاء في لبنان"، فهذا بالفعل كلام حق واعترف السوريون به مرات عدّة، وما علينا الآن سوى انتظار عدالة السماء والمحكمة الدولية ليظهر لنا إن كانت سوريا أو غيرها قد ارتكبوا خطيئة او جريمة اخرى في حقّ لبنان…

سادساً: اما عن اعجابك بـ"الحرب المشرفة التي قام بها حزب الله وغيرت في مفاهيم المقاومة مع اسرائيل"، فهذا كلام صادق وايضاً واقعي ويحتاج فقط للجنة فينوغراد لبناني وليس فقط ايرانياً.. لأن هذا النجاح قد تحقق بفضل ثلاث جهات اتحدت سوياً وهي المقاومة والشعب اللبناني والحكومة التي كان يرأسها فؤاد السنيورة.. نعم يا سيدي فقد عرفت في ذلك الوقت بحكومة المقاومة لما قدمته في اثناء هذه الحرب، كما كان يشارك فيها خمسة وزراء من "حزب الله" و"حركة أمل"، وقام السنيورة بعدة جولات استطاع بها الوصول الى القرار 1701 الذي شارك "حزب الله" في كل بنوده وساهم في وقف نزيف الدم والدمار في لبنان، حتى تجد في كتاب مذكرات "جون بولتون" يعرض فيه مدى الصعوبات في التفاوض مع فؤاد السنيورة لتمسكه الدائم بحق المقاومة وسلاح حزب الله و"سبحان مغير الاحوال".

المهم يا سيدي الفاضل ان هذه الحرب كلفت لبنان نصف مليون نازح و2025 قتيلا و3705 بين جريح ومعوّق و2800 منزل مدمر، و61 مصنعاً ومعملا، و63 مدرسة محطمة بالاضافة لإغلاق المرافئ وضرب المطار وتدمير الجسور وتلوث البحر..الخ.

كل ذلك فعلته اسرائيل في 33 يوماً كلفت لبنان خسارة مادية وصلت الى 14 مليار دولار، وحتى كتابة هذه السطور لم تُحرّر مزارع شبعا ولم يعد جميع الأسرى من سجون إسرائيل، إذاً تغيير مفاهيم اسرائيل عن المقاومة قد كلف لبنان كله الكثير… وهذا درس غال ولا يغيّر..

سابعاً: هذه الحكومة التي اعترفت بها جميع الدول العربية ورفضتها سوريا واستُقبلت من جميع دول العالم ما عدا ايران، كان لها الفضل في جعل قلعة الاستثمارات المصرية والعربية تذهب الى لبنان، وبالتالي ليس للثقة التي حققها حسن نصر الله ولا لـ "حزب ولاية الفقيه"، والا كانت هذه الاستثمارات تذهب إلى إيران التي تملك قدرات اهم واكبر، ولكن لأن دولة ولاية الفقيه لا تفقه شيئاً من اسلوب التنمية والخدمات وطاردة للاستثمار. اخافت الجميع من الاقتراب.. وبالتالي ليس بالغريب ان نجد علاقة مصر وايران مجمدة وفي حالة قلق وعداء، فهذا يصبح رد فعل طبيعياً ما دامت ايران لا تقدم تنازلات حتى لتغيير اسم شارع لإرهابي قتل رئيس مصري انتصر على اسرائيل بالحرب والمفاوضات واستعاد ارضه، وهذا هو نفسه اسلوب سوريا حليفة ايران ولكنها تأخرت اكثر من ثلاثين عاماً.

فهناك يا سيدي عقيدة مترسخة لدى الفرس رافضة للعرب عامة و للسنة خصوصاً، تراها على سبيل المثال في كتاب "شاة نامية" للشاعر الفردوسي ومدى الاستهزاء والسخرية من تاريخ العرب القديم، كما تسمعها من بعض الشيعة في شكل كراهية للخلفاء الراشدين والسيدة عائشة "رضي الله عنها" يظهر معك في كل احتقان، فهم اهل التقية نحترمهم ونقدرهم ولكن لا يمنع ان نعاتبهم و نحاسبهم..

من الواضح اليوم انها ليست أزمة مذهبية أو عقائدية فقط، فهي أزمة سياسية بامتياز وتجدها في الدستور الإيراني الذي يؤكد نزعته للهيمنة والتوسع.
كما ان الثقافة الإيرانية تجعل الفرس يتوقون لدور الضحية دائماً، ربما اليوم وجب عليهم أخذ الحذر من المستقبل وربما منهم من يتوق للثأر من الماضي.

المهم انها دولة تسعى إلى أن تكون نووية وهذا طموح من حقها ان تصل إليه، ولكن السؤال، هي تهدد بضرورة إزالة اسرائيل وهذا شيء جميل، ولكن ماذا عن شركاء اسرائيل في الأرض الفلسطينية و"حماس" حليفتها، هل ستدمرها؟؟، وماذا عن سوريا التي تفاوض إسرائيل هل أيضاً ستزيلها؟، ثم لماذا المفاوضات إن كانت اسرائيل ستزال من قبل ايران؟؟ أما عن 150 رأسا نوويًا في اسرائيل فهي تضعها على أرض عربية محتلة، وبالتالي إن فكرت في استخدامها فستدمر اسرائيل أولاً ولن يرحمها حتى عزرائيل.
هذا كله مجرد تعليق أشارك فيه العقل والمنطق وأنت بالطبع استاذنا الكبير.

(عن جريدة مصر اليوم)

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل