بيروت تدفع ثمن·· ماذا؟
لا تزال بيروت تعاني من ارتدادات الزلزال الذي ضربها في 7 أيار واستهدف أهلها، ويبدو أن مسلسل الاستهداف لم يصل إلى فصله الأخير بعد، أو على الأقل حتى الساعة، بما أن الشارع لا يزال يشهد العديد من التعديات والممارسات الشاذة المنافية لكل حوار أو اتفاق أو أدنى مفاهيم الاختلاف السياسي·
لماذا بيروت، وأهلها بشكل خاص، تعود لتكون الهدف؟ لا بد أنه الثمن الذي تدفعه المدينة العاصمة، بما تحتضن من تعددية في الأطياف والانتماءات، وهو نفسه الثمن الذي يدفعه أهلها دائماً، بما لهم من سعة صدر لتقبّل الآخر، فبات كل شارع بل وكل مبنى بيروتي عبارة عن لوحة وطنية غنية بألوانها المتنوعة وأشكالها العديدة، فتداخلت الطوائف والانتماءات الحزبية بين أهل الشارع وجيران المبنى كدليل على تقبّل واحترام الآخر والتفاعل معه·
ولكن، للأسف، ما كان يفترض أن يكون مصدر غنى وتنوع بنّاء، وما كان بالأمس تجاوراً سلمياً ومصدر اتحاد وقوة في مواجهة العدو الواحد، خاصة خلال حرب تموز، وانقلب لتصبح الألوان المتمازجة بالأمس مائعة اليوم، يحاول البعض أن يطغى على الآخر، وبالقوة، مما أفسد اللوحة وقلب جمالية تنوعها إلى فوضى وبشاعة وخراب تعجز أيدي أمهر الرسامين عن إصلاحها·
وهنا تتأكد ضرورة ضبط الشارع، وحملة السلاح في الشوارع، لوقف هذه الممارسات التي لن تؤدي إلا إلى المزيد من العنف والدم، وقد دفع لبنان وبيروت ما يكفي مؤخراً منه بلا طائل، فالمقاومة بالذات أعلم الناس بأن السلاح لا يغيّر من انتماء أو معتقد وبالتالي لا جدوى ولا مكسب من بسط الغطاء على المتجاوزين الذين يعتقدون أن ترويع الناس أو تصفيتهم ينهي ما أوقفه اتفاق الدوحة·
لقد تحقق للمعارضة الثلث المعطل الضامن في الحكومة، والعمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية جار على قدم وساق، فهل يقضي مفهوم الشراكة بالاعتداء المسلح وبسط السلطة بالقوة؟ وهل نتفق على إعادة الحياة لدولة المؤسسات عبر غض الطرف عن مجرمين يعتدون على إخوتهم في الوطن، إن لم يكن في الدين؟·
لقد أدى الشحن الطائفي مهمته، على أكمل وجه، وما عجزت عنه إسرائيل في حربها المجنونة في تموز 2006، وهو شقّ الصف اللبناني والإسلامي بشكل خاص، تحقّق بفضل فقدان الوعي القيادي· ما أدى إلى انفلات أمني غير مسبوق منذ انتهاء الحرب الأهلية·
ولكن يبقى، في ظل هذه الصورة القاتمة، أملاً وحيداً بإعادة المؤسسات الوطنية والعسكرية والأمنية إلى دورها الطبيعي في ضبط الأمن، خاصة بوجود رأس المؤسسة العسكرية في أعلى منصب وطني، وهنا تقع مسؤولية أمن العاصمة وأبنائها في عهدة الدولة، دولة المؤسسات والعدل وتبقى مسؤولية رفع الغطاء عن المتجاوزين والمجرمين من مختلف الطوائف والانتماءات، وتسليمهم للمحاسبة العادلة ضمن مسؤولية القيادات الحزبية، والتي لن ينتهي دورها هنا، بل بالعمل على إصلاح ما أفسدته من ودّ بين أبناء الوطن الواحد، والسعي إلى وأد الفتنة بشكل عملي، وليس تنظيري، خاصة بعدما أخذت الخلافات هذا المنحى الخطير·
ولا بد من إنجاز المصالحة الوطنية بدءاً من القاعدة الشعبية وصولاً إلى لقاءات الحوارات والطاولات المستديرة وما إلى هنالك بعيداً عن واجبات اجتماعية وصور جماعية، لا تُطعم ولا تُسمن اللبناني الذي أنهكته مشاعر القلق من·· الآتي الأعظم!·