#dfp #adsense

إنها فعلاً هدنة

حجم الخط

إنها فعلاً هدنة

من عاش الحرب الأهلية في لبنان، بين العامين 1975 و1989، يتهيأ له ان ما يعيشه البلد المثخن بالجروح هذه الأيام، سبق ان مرّ به في بدايات مراحل تلك الحرب القذرة التي وقع في براثنها طيلة تلك الأعوام وخلفت المآسي التي لا تحصى والخسائر التي يستحيل تعويضها على جميع الأصعدة. فقد خسر لبنان في تلك الحرب أضعاف سنوات الاقتتال الأهلي المفتوح على مراحل المواكبة الإقليمية والدولية لها، وتراجع خلافاً لكل عمليات التجميل الإعلامي التي يغرق بها اللبنانيون في كل مرة بأسلوب شاعري أحياناً وفولكلوري أحياناً أخرى، لإقناع النفس بأنهم قادرون على التغلب على المآسي وما يترتب على فرط السلم الأهلي.

وما يدعو الى تذكّر كل ذلك هو ما يجري على الأرض في بيروت والجبل ومناطق أخرى، بعد الأحداث الدموية التي شهدها لبنان بين 7 و15 أيار (مايو) الماضي من قتال مذهبي، وإذا كانت حادثة إطلاق النار على أحد ناشطي تيار "المستقبل" يوم الثلثاء الماضي قد أثارت ضجة، لأنها دفعت زعيم التيار النائب سعد الحريري الى تعليق اتصالاته السياسية في شأن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وما استتبعه ذلك من اتصالات بينه وبين رئيس المجلس النيابي نبيه بري، فإن هذا الذي حصل هو رأس جبل الجليد المختبئ في الأحياء والشوارع والأزقة والقرى والدساكر.

إن الاستنفار المذهبي والسياسي ما زال قائماً، مصحوباً باستمرار الاستنفار الأمني. وما أعقب اتفاق الدوحة من حوادث، بعضها تكشف عنه وسائل الإعلام وبعضها الآخر تفضل عدم ذكره، أو لا تعلم بكل تفاصيله، يدل على مستوى الكراهية التي خلفتها حرب بيروت والجبل بين عامة الناس، إذ لا يمر يوم من دون ان تتناقل الألسن معلومات عن حوادث هنا وهناك. وحتى تلك التي لا يُستخدم السلاح فيها، بما فيها الآلات الحادة، تؤشر الى ان درجة التلاسن الأهلي والحذر والحقد والخوف، تؤسس لشيء ما. فحين يتسلح بعض الأوساط من دون علم زعمائه أو من دون طلب من هؤلاء الزعماء، وحين تتأثر العلاقات الاجتماعية وحتى الاقتصادية والتجارية بين المجموعات، وحين يشهد بعض المناطق تدشيماً لمواقع واستحداثاً لأخرى في مواجهة فريق أهلي آخر… وحين يستمر تمركز عناصر هذا التنظيم أو ذاك في هذا الحي أو الزاروب وتنتصب أعلام حزبية عند مفترق طرق أو في مدخل منطقة ما، مع إصرار على عدم إعادة الأمور الى ما كانت عليه قبل 7 أيار، على رغم مضي 15 يوماً على اتفاق الدوحة، لن تستطيع التصريحات المتفائلة ان تقنع المراقب بأن الأمر لا يعدو كونه هدنة، على رغم صدق بعض هذه التصريحات، لا سيما من جهات عربية عدة ولا سيما الجامعة العربية والمسؤولين القطريين.

من الطبيعي ان تقفز الى أذهان من عاشوا الحرب الأهلية السابقة صور سبق ان شهدوها واختبروها ويقارنونها مع ما يشهدونه اليوم، في وقت يلمسون لمس اليد، أن ثمة قادة لم يسبق ان عاشوا الحرب الأهلية تلك ولم يختبروا، كما غيرهم من القادة، القرارات التي اتخذوها، وانزلقوا بنتيجتها، في بداية الحرب، في منتصف السبعينات، ثم في مراحلها التي توالدت في أوائل ومنتصف الثمانينات، الى الاقتتال الأهلي وانغمسوا فيه وأقنعوا أنفسهم بالشعارات الكبرى التي استظلوا بها، ليكتشفوا لاحقاً أنهم دمروا جمهورهم ومناطقهم وأحرقوا اقتصاد بلدهم. وقد يوجد بين هؤلاء الآن من يدرك المنزلق ويسعى الى تجنبه، لكنه قد لا يتمكن من ذلك لأن هناك من هم جدد على التجربة. قدر لبنان ان يكون مسرحاً كي يخوضوها قبل ان يدركوا كم كانوا مخطئين. والحقيقة ان ثمة قادة حاليين، لا يعرفون انهم ينزلقون بجمهورهم وبلبنان الى الهلاك لأن الوهم بالقدرة على السيطرة على السلاح الذي يمتشقونه، هو الذي يقودهم.

من الصعب على الذين عاشوا الحرب الأهلية اللبنانية السابقة ألا يتذكروا ان لبنان يمر بفترة شبيهة بالمرحلة الأولى من الحرب (1975 – 1976) التي انتخب بعدها الرئيس الراحل الياس سركيس، ثم أعادت الظروف الإقليمية إطلاق مرحلتها التالية… الخ. ويستحيل على أصحاب الذاكرة ان يقتنعوا بأن الارتكابات التي تحصل على الأرض، تتطلب مجرد تشدد أمني من الأجهزة المختصة. ومع ان هذا التشدد مطلوب، فإن المبتدئ في السياسة يدرك ان نزع العسكرة عن مذهب وشارع يتم بقرار سياسي…

إن الذاكرة تستعيد وقائع كثيرة منها كيف ان المبادرات العربية حوّلت الكثير من الموفدين العرب الى لجان أمنية استهلكت أدوارهم بسبب غياب القرار السياسي بوقف الحرب.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل