إلى الوراء در ؟!
هل وضعت عملية تشكيل الحكومة جانباً؟
يبدو من خلال الزيارتين اللتين قام بهما الرئيس فؤاد السنيورة اول من امس الى الرئيس نبيه بري، وامس الى الرئيس ميشال سليمان، ان عملية تشكيل الحكومة قد تنام الآن في انتظار معالجة الوضع الامني المتفلّت في بيروت التي تتعرض لسلسلة من العمليات والاعتداءات المتنقلة التي تستهدف عناصر من "تيار المستقبل"، مما اسفر حتى الآن عن وقوع عدد من الجرحى، اضافة الى ما يقال عن عمليات دهم للمنازل وتهديد للناس وفق قوائم معدة على خلفية عملية الاجتياح التي تعرضت لها بيروت.
عندما يصل الامر الى حد اعلان "تيار المستقبل" تعليق مشاركته في كل الاتصالات الخاصة بالتشكيلة الحكومية، وهو ما ابلغه السنيورة الى بري، فإن ذلك يعني ان الاوضاع عادت او انها في طريق العودة الى نقطة الصفر وان يكن اتفاق الدوحة قد سمح بانتخاب العماد ميشال سليمان.
ولكن ما يفيد لبنان عندما يكسب رئيساً للجمهورية، اذا كانت الجمهورية ستبقى مهددة بالانزلاق الى الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة؟
هذا السؤال يبدو ضرورياً ومشروعاً في ظل الاحتقان الكبير والجروح العميقة وطوفان الضغائن والكراهيات التي تراكمت على امتداد الازمة اللبنانية في العامين الماضيين، ثم انفجرت على شكل اجتياح عسكري تعرضت له بيروت وبعض الجبل والمناطق.
واضح تماماً ان مسألة الحكومة جاءت في المرتبة الثانية من الاهتمام في خلال لقاء السنيورة مع الرئيسين سليمان وبري. واذا كان رئيس المجلس قد وعد بمعالجة الامر وكرر القول ان هناك قراراً برفع الغطاء عن العناصر التي تقوم بهذه الاعتداءات، فإن في اوساط الاكثرية و"تيار المستقبل" من يدعو صراحة لا الى "رفع الغطاء" بل الى "منع قيام العناصر" بهذه الاعتداءات، وهذا ما يعني ضمناً وجود اقتناع لدى "تيار المستقبل" بأن ما يجري هو امر منظم ومدروس وليس فردياً من صنع العناصر غير المنضبطة!
وهنا تتعمق المشكلة وتزداد خطورة، وتبدو كأنها اعادت الامور الى ما كانت عليه قبل اتفاق الدوحة. واذا قرأنا البيان الصادر امس عن رئاسة الحكومة بعد لقاء سليمان والسنيورة، يمكن فعلاً ان نكتشف اننا الآن امام مشكلة تتجاوز في اهميتها طوفان العقد التي تواجه تشكيل الحكومة.
فعندما يقول البيان ان الاعتداءات الاخيرة في الطريق الجديدة "كانت بمثابة النقطة التي طفح بها الكيل" وخصوصاً ان عملية اطلاق النار الاخيرة تمت علانية وبشكل واضح بهدف تصفية احد مناصري "تيار المستقبل"، وان هناك عدداً من المواطنين تتم ملاحقتهم من قبل عناصر حزبية، فإن ذلك يعني اننا نراوح الآن عند حافة "الكيل الامني الطافح" لا على ابواب "حكومة الوحدة الوطنية" وانعم واكرم!
واذا كان من غير المنطقي ان يشيّد المرء منزله عند فوهة البركان، فمن غير المنطقي طبعاً تشكيل "حكومة الهشيم والخلافات" فوق رماد لم يتمكن حتى الآن من اخفاء الجمر المتأجج من تحته.
في اي حال "ان تصاعد الخروق والتجاوزات والاعتداءات من قبل مسلحين على الارض في اكثر من منطقة وحي وشارع في بيروت" كما جاء في بيان رئاسة الحكومة، انما يمثل تهديداً في اكثر من اتجاه:
❒ اولاً: يبدو الامر بمثابة تهديد فعلي لاتفاق الدوحة الذي كان واضحاً وصريحاً في الدعوة الى وقف الصراع وسحب المسلحين وازالة المظاهر المسلحة. ولأن هذه الاعمال قد تدفع الاتفاق المذكور الى الترنح حرص النائب سعد الحريري على المطالبة بلجنة عربية تطلع على ما يجري وتكون على بيّنة من الوقائع التي يطفح بها الكيل.
❒ ثانياً: يبدو هذا الامر بمثابة استنزاف مبكر جداً للعهد وللرئيس ميشال سليمان شخصياً، وهو الذي جاء الى الرئاسة من قيادة الجيش وخصوصاً انه سبق ان برر عدم تدخل الجيش في خلال محنة اجتياح بيروت بالحرص على عدم انقسامه وهو ما دفع كثيرين في حينه الى السؤال:
ولماذا الجيش اذاً؟ وقد يدفعهم الآن الى تكرار السؤال بمزيد من المرارة والاستغراب!
❒ ثالثاً: يبدو الامر بمثابة تهديد لامكان التوصل الى اتفاق على حكومة المحاصصة "والتناتش" لحقائب الخدمات وغيرها عشية الانتخابات النيابية، وهي الحكومة التي لا يتملكنا الحياء عندما نواصل القول انها حكومة الوحدة الوطنية!
❒ رابعاً: يبدو الامر بمثابة تهديد صريح ومبكر لامكان اجراء انتخابات نيابية في الربيع المقبل، وذلك على خلفية سؤال بسيط:
عندما يكون في وسع السلاح والمسلحين القيام بمثل هذه الخروق والتجاوزات والاعتداءات، هل يمكن التفكير مجرد التفكير باجراء انتخابات؟
لا داعي الى الجواب. لكننا لم نتقدم كثيراً على طريق "اتفاق الدوحة" الذي سمي "حلاً" وهو اقل من هدنة. في الاساس، … ها نحن الى الوراء در… ودائماً على طريق الجحيم!