يرفضُ "تطبيع" الشواذ القائم وينبّه "حزب الله" من "راديكالية سنّية" يدفع بممارساته إليها
الحريري يحمي الوحدة الوطنية قبل حكومة تحملُ اسمها
الموقف الذي اتخذه زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري والقائم على أولوية الأمن على السياسة بل أولويته على تشكيل الحكومة، لم يكن هدفُه فقط التذكير بالشقّ الأمني من "إتفاق الدوحة" الذي يحرّم إستخدام السلاح في الداخل أو الإحتجاج على الإعتداءات اليومية التي تتعرّض لها بيروت من جانب ميليشيات "الحزب القائد" أي "حزب الله" سواء كانت هذه الميليشيات فرعاً حزبياً له أو تابعة لـ"أمل" وملحقة به.
الحريري يكشف المفارقة بين الوحدة الوطنية و"حكومتها"
إنّ ما يعنيه هذا الموقف وما يعلنه أعمقُ من ذلك بكثير.
إنّه بادئ ذي بدء يكشفُ المفارقة الكبرى التي تشهدها البلاد هذه الفترة بين عملية تشكيل حكومة "وحدة وطنية" من ناحية وممارسات أطراف شريكة في هذه الحكومة باتجاه "الشقاق الوطني" من ناحية ثانية.
ويعلنُ بوضوح رفض "تطبيع" الواقع القائم منذ التوقيع على "إتفاق الدوحة"، أي الحديث عن عملية سياسية فيما يتواصل الإرهاب والترهيب على الأرض. ورفضُ "تطبيع" هذا الواقع يعني رفض جعله عادياً أو أمراً ملازماً بشكل عادي للعملية السياسية، بحيثُ يصبحُ العمل السياسي حكومةً وإنتخابات خاضعاً لإبتزاز السلاح الميليشياوي.
"حزب الله" وجراح أهل السنّة
على أن موقف سعد الحريري، فوق هذه المعاني جميعاً، يسلّط الضوء على "قضية" كبيرة ومشكلة "خطيرة".
تمّ التوصّل إلى "إتفاق الدوحة" وبدأ تنفيذ إجراءاته السياسية، لكنّ جراح بيروت وأهل السنّة فيها كانت "بليغة".
وبدلاً من أن يساعد "حزب الله" ـ بوصفه "الحزب القائد" لما يسمّى "المعارضة" ـ في شفاء تلك الجراح، الأمر الذي كان يقتضي من أمينه العام السيد حسن نصرالله "النزول" قليلاً من "برجه" ليوجّه إلى بيروت وأهلها كلاماً تصالحياً، إذا به يضاعفُ في خطابه الأخير نبرة التحدي، فيما كان الحزب على مستويات قيادية عدّة يرفض الاعتراف بوجود مشكلة خلّفها إجتياحه للعاصمة في 7 أيار الماضي. وأكثر من ذلك، زادت الميليشيات الإستفزاز والإعتداء والترهيب.
راحت جراح بيروت وأهل السنّة تكبر بدلاً من أن تندمِل. وما يتجاهلُه "حزب الله" أو ما يرفض الإعتراف به هو أنّ من شأن توسع الجراح بدلاً من مداواتها، خلق حالة سياسية ـ شعبية سنّية "راديكالية".
هذه الحالة "الراديكالية" تعني انّ أهل السنّة في مختلف المناطق بدءاً من العاصمة، يدفعُهم تمادي "حزب الله" وتدفعُهم جراحهم التي يتسبّب "حزب الله" بها إلى "التشدّد".
سعد الإعتدال ومشروع والده الشهيد
"إجتهد" الزعيم الشاب لـ"تيار المستقبل" قبل غزوة أيار وأثناءها وبعدها لإقناع أهل السنّة بأنّ "الدولة تحميكم" وبأن "لا حاجة إلى السلاح" وصولاً إلى قوله في الطريق الجديدة قبل أيام إن "الإيمان أقوى من السلاح". وهو بصفته إبن الرئيس الشهيد رفيق الحريري ووريثه السياسي، كان ولا يزال يؤكد انه لا يمكن أن يتحوّل من إبن رفيق الحريري صاحب مشروع البناء والتعليم والدولة إلى قائد ميليشيا، أي انه لا يمكن أن ينتقل وأن ينقل بيئته معه من الحداثة إلى التخلّف، ومن الإعتدال إلى التطرّف.
بيد أن إصرار "حزب الله" وشركائه على المضيّ في التجاوزات، لن يدفع سعد الحريري إلى تغيير قناعاته، لكنّه يدفع وسيدفع أكثر باتجاه مزيد من "الراديكالية" السياسية ـ الشعبية و"أخواتها" سنّياً.. أي أنه يدفع بإتجاه خروج الوضع عن السيطرة.
..يحذّر من خروج الوضع عن السيطرة
سعد الحريري بصفته زعيم الإعتدال، يحذّر من إنفلات الوضع. وهو إذ يقول بوضوح إنّ "الكيل طفح" مع أهل السنّة، انما يسعى إلى حماية الوحدة الوطنية، التي لا يحميها إلا الاعتدال الديني والسياسي، ولا تحميها "راديكاليّتان" في طائفتين أو مذهبين. ولذلك من الطبيعي ألا يرى سعد الحريري وحدةً وطنية في الحكومة العتيدة عندما يكون ثمّة إمعانٌ في تمزيق الوحدة الوطنية على الأرض. وهو في جميع الأحوال مصمّم على متابعة نهج "الإيمان" بالدولة التي يُدرك أنّها "سوف" تقوم، ويريد لمصلحة كل لبنان بكلّ طوائفه إختصار آلام ولادتها.
لجنة التقصّي "بداية"
والآن، بعد هذه المقدّمات جميعاً ما الحلّ؟.
طالب رئيس "المستقبل" بلجنة عربية لتقصّي الوضع الأمني على حقيقته ولتطبيق الشقّ الأمني من "إتفاق الدوحة".
في طلبه هذا، يضعُ الحريري اللجنة الوزارية العربية، والعرب جميعاً، أمام مسؤوليتهم في رعاية تطبيق الاتفاق اللبناني بالرعاية العربية، وأمام مسؤوليتهم في حماية الهدف من "إتفاق الدوحة" أي إستقرار لبنان ووحدته وإستقلاله.
غير أنّ هذا الطلب، أي حضور لجنة تقصٍّ عربية، هو "بداية" الحلّ وليس الحلّ كلّه.
لا يمكنُ الركون إلى معالجات موقتة، أو إلى تطمينات ظرفية، كأن يتمّ الوعد بأنّ الإعتداءات والتجاوزات لن تتكرّر، أو بأن المسلحين سيُسحبون.. وحتى بأن المعتدين سيسلّمون إلى القضاء (إفتراضاً!)
لا يمكنُ الركون إلى خطوات من هذا القبيل لأن "من جرّب المجرّب كان عقلُه مخرّباً"، ولأن أياً من هذه الخطوات لا تشكل ضمانةً بألا "تعود" الإعتداءات في توقيت سياسي معيّن.
..أمّا الحلّ فعاصمة مفتوحة منزوعة السلاح
بيروت عاصمة الدولة "المركزية"، ومركز لبنان ومقرّ "إقامة" المؤسسات. ولأنّها كذلك يجب أن تُحمى.
لا يكفي أن يتمّ "تعزيز" القوى الأمنية في العاصمة وشوارعها. يجب أن تكون منزوعة السلاح. وكي تصبح منزوعة السلاح يجب أن يكون القرار السياسي بتكليف الجيش والقوى الأمنية بإلغاء هذا السلاح وبتطبيق إجراءات مناسبة لهذا الغرض، وبتطبيق عقوبات صارمة لمنع تكوّن وإنتشار فرق الموت، ويجب وضع صيغ تنفيذية حقيقية لما هو وارد في "إتفاق الدوحة" لا سيما البند القاضي بمنع وجود ملاذات للقتلة والمجرمين والفارين من وجه عدالة الدولة.
بكلام آخر، إنّ حضور لجنة تقصٍّ عربية واجب عربي. وتطبيق الشقّ الأمني من "إتفاق الدوحة" بجعل بيروت منزوعة السلاح واجب عربي، أي أنّ من واجب الرعاية العربية العمل على تكوين القرار السياسي بوضع العاصمة في عهدة الجيش والقوى الأمنية وبتفويضهم اتخاذ الإجراءات الرادعة.
إنّ تطبيق الشقّ الأمني من "إتفاق الدوحة" هو شرطٌ لنجاح شقّه السياسي. بيد انّ جعل بيروت "مدينة مفتوحة" هو شرطٌ لنجاح تطبيق الشقّ الأمني.
أمان العاصمة ـ وأمان كل المناطق ـ حقّ لها على الدولة وواجب للدولة، وهو اليوم مسؤولية وواجبٌ عربيان أيضاً.