بري انخرط في مسعى جدي لتنفيذ الإلتزامات الأمنية
مشكلة بيروت تتطلّب مبادرات لم ترَ النور
غابت حتى اليوم عن مشهد محاولة "حزب الله" في الايام الماضية احتواء الاحتقان في بيروت الذي تسبب به اجتياح عناصره لها ومحاولة هذه العناصر اجتياح الجبل، اي مبادرة، لا في اتجاه رئيس تكتل "المستقبل" النائب سعد الحريري مقدمة لازالة ما علق في النفوس لدى ابناء بيروت، ولا في اتجاه رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط من اجل التمهيد لمصالحة ممكنة في الجبل. والامر نفسه ينسحب على الرئيس نبيه بري وان يكن تواصل بنسبة اكبر من الحزب مع الحريري وجنبلاط وخصوصا انه كان المحاور باسم المعارضة في الدوحة. وهو سارع اول من امس بجدية، على ما نقل الى اوساط الاكثرية، الى معالجة ما تبلغه من "تيار المستقبل" عن تعليق كل الاتصالات في شأن الحكومة، اي استكمال الشق السياسي من اتفاق الدوحة حتى البدء بتطبيق الشق الامني منه، بالتوازي مع ابلاغ جامعة الدول العربية وقطر تحديدا لمسؤوليتها المباشرة في تقديم الضمانات لذلك في "اتفاق الفينيسيا" اولا ثم في اتفاق الدوحة. وسعى بري الى المشاركة لا بل الدفع لوضع الالتزامات الامنية السابقة للسابع من ايار قيد التنفيذ، علما ان المسؤولية عن الحوادث الاخيرة عزيت الى انصاره اكثر من "حزب الله"، وذلك بالتزامن مع تبلغ وصول موفد قطري اليوم الى بيروت لمتابعة موضوع الالتزامات الامنية مع الافرقاء المعنيين بناء على طلب من "تيار المستقبل" من اجل تقصي الحقائق، بمعنى التأكد من صحة ما يجري او عدم صحته كذلك في ضوء اتهامات من المعارضة للاكثرية بتضخيم هذه المسائل ومحاولة استغلالها لاهداف سياسية. وفي اي حال يبرز ارتياح الى اللقاء الذي عقده ممثلون لحركة "امل" مع ممثلين من الحزب التقدمي الاشتراكي قبل ايام قليلة من حيث الجدية لدى بري في معالجة الامور على الا تطيح ايجابياته المتواضعة حتى اليوم ممارسات امنية تعيد الوضع الى نقطة الصفر.
ولكن بالنسبة الى مراقبين سياسيين متابعين، لا يعقل ان تزور وفود من "حزب الله" شخصيات بيروتية تقف في صفه، لاسباب خصومة سياسية مع الاكثرية او مع القوى الاساسية في العاصمة من اجل ازالة الاحتقان المذهبي الذي تسبب به لان الامر بدا كمن يصالح نفسه بدل ان يصالح خصومه. وهذا لا يحل الامور اذا كان هو الهدف منها خصوصا ان في ذمة المعارضة المتمثلة في القوى الشيعية اقفالا معلنا للابواب في وجه الحريري تحديدا كما في وجه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة اكثر من مرة، ورفضا للحوار. كما ان حكومة تحت شعار الوحدة الوطنية لن تحل بدورها تخفيفا للاحتقانات المتفاعلة بقوة في الشارع على وقع "انتصار" عسكري تمت ملاقاته في الظروف المعروفة بتنازلات سياسية حقنا للدماء ومنعا لعودة الحرب الاهلية ومحافظة على انتصار 2005 الذي قضى بخروج القوات العسكرية السورية من لبنان. ولا يعتقد ان مبادرات انفتاحية من نوع الزيارات المحتملة التي يمكن ان تقوم بها وفود من الحزب للحريري وجنبلاط يمكن ان تنهي الازمة كأن شيئا لم يكن، والامور اكثر تعقيدا من ذلك، لكن انعدام الثقة واستمرار النار تحت الرماد وان كان الحزب استعجل الانسحاب من بيروت كي يتفادى الحرب الاهلية يبقيان حساسية كبيرة وجرحا لن يندمل بسهولة، خصوصا ان كثيرين يعتبرون ان الحزب فتح الباب لاستباحة العاصمة بما يحمله هو المسؤولية قبل سواه جنبا الى جنب مع القوى الامنية، عما يمكن ان تؤول اليه الاوضاع.
وثمة تجربتان على الاقل بارزتان في التاريخ المسيحي خلال الحرب احداهما مجزرة الصفرا التي قامت بها ميليشيا "القوات اللبنانية" برئاسة الرئيس الراحل بشير الجميل ضد ميليشيا حزب الاحرار والتي استوعبها الجميل بزيارة للرئيس التاريخي كميل شمعون في مسعى بدا حقيقيا وجوهريا من الجانبين لململة انعكاسات خطرة جدا ترجمت فعليا على الارض، والاخرى الزيارة التي قام بها العماد ميشال عون بعد عودته من منفاه الباريسي للدكتور سمير جعجع في السجن والتي عول عليها لتكون نهاية الانقسامات المسيحية ولكن من دون جدوى.
فأهل العاصمة من الطائفة السنية باتوا حساسين جدا بعد الحوادث الاخيرة لاي استفزاز من اي نوع خصوصا ان الكثير من هذه الاستفزازات يتواصل على مرأى من الجميع. وبعض المصادر تعتبر انه لو كانت النية صافية في رأب الصدع لما سعت المعارضة الى توزير سني من بيروت يتولى هو بالنيابة عن المعارضة المعروفة التصدي للاكثرية في الحكومة، ويعتبر كثيرون ان هذا الكلام ينسحب على طلب توزير الوزير السابق طلال ارسلان من اجل ان تنزع المعارضة عنها الطابع الذي طغى عليها لدى انسحاب وزراء "امل" و"حزب الله" من الحكومة بعد استشهاد النائب والزميل جبران تويني، اي الرغبة في تغطية اضافية "طائفية" لحركة سياسية الى جانب التغطية المسيحية التي حصلت عليها هذه القوى بالتحالف مع العماد عون.