برنامج سليمان الانقاذي: لبنان المتحرر من السلاح والهيمنة
حقيقة العلاقة بين "الرئيس المحترم" وسوريا و"حزب الله"
"ست قضايا جوهرية ستكون اساس برنامج الرئيس ميشال سليمان الذي شكل انتخابه انتصارا للرجل "الوطني المحترم"، كما يسميه الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، وهو الرجل الذي رفض ان يكون جزءا من اي محاولة انقلابية، ورفض وقف المسيرة الاستقلالية لانها في تقديره ملك اللبنانيين جميعا، ورفض الاعتراف بوجود خطوط حمر تمنع الجيش من محاربة الارهاب في مخيم البارد او في مواقع اخرى، ورفض الوصول الى الرئاسة بأي ثمن او نتيجة صفقة على حساب لبنان المستقل، ورفض تقبل أي مطالب او اقتراحات تنتهك الدستور وتضعف الدولة ومؤسساتها وتهدد السلام الاهلي، كما رفض ميشال سليمان الانحياز الى سوريا او الى اميركا واي دولة اخرى لانه "منحاز الى لبنان" كما نقل عنه ديبلوماسي غربي، مما يجعله، بالتالي، منفتحا على العالم العربي ككل وعلى المجتمع الدولي، وملتزما قرارات الشرعية الدولية وليس جزءا من المشروع السوري – الايراني او من أي مشروع اجنبي آخر في المنطقة".
هذا ما اكدته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وعربية معنية مباشرة بالملف اللبناني. واوضحت شخصية لبنانية بارزة تعرف الرئيس الجديد عن قرب "ان ميشال سليمان ليس تكرارا لتجربة الرئيس الراحل الياس سركيس الذي وافق عام 1976 وسبب الحرب الاهلية على الاستعانة بالقوات السورية لضبط الاوضاع في لبنان، وليس امتدادا او استمرارا "لتجربة الرئيس السابق اميل لحود الذي كان يرى في تلبية المطالب السورية ضمانا للبنان ولاستقراره. صحيح ان سليمان يصف علاقاته بسوريا وبرئيسها بشار الاسد بانها "ممتازة" ويؤكد حرصه عليها، لكن سليمان ليس رئيسا سوري التوجهات ولم يكن يوما من ضمن مجموعة الضباط الكبار الذين كانوا يدينون بالولاء الاعمى للنظام السوري خلال مرحلة الهيمنة على لبنان ويتعاونون معه لتنفيذ اهدافه ومخططاته المختلفة في هذا البلد".
ووفقاً لديبلوماسي اوروبي بارز "فان سليمان لم يكن فعلا خيار سوريا الاول للرئاسة لانه لم يقدم الى نظام الاسد اي التزامات مسبقة لتسهيل انتخابه، بل ان المسؤولين السوريين كانوا منزعجين من مواقف عدة اتخذها منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه الى الآن ومنها خصوصا انه لم يمنع الانتفاضة الشعبية الهائلة التي انفجرت يوم 14 آذار 2005 وادت، مع الدعمين الدولي والعربي الكبير، الى انسحاب السوريين من لبنان. كما ان المسؤولين السوريين ابدوا انزعاجهم من الدعم العربي والدولي لسليمان قبل اشهر من انتخابه لانهم يفضلون رئيسا خاضعا لهم، ثم تقبلوا على مضض وصوله الى الرئاسة لأن الظروف الداخلية والعربية والدولية ليست ملائمة لهم ولم تسمح لهم بفرض الرئيس الذي يطمئنون اليه كليا في اطار سعيهم الى اخضاع لبنان مجددا لسيطرتهم".
واستنادا الى هذه الشخصية اللبنانية "فان سليمان لن يكتفي بادارة الازمة اللبنانية بل يريد المساهمة بفاعلية في حلها خصوصا ان التوافق اللبناني الواسع حوله والدعم العربي والدولي الكبير له يساعدانه على القيام بهذا الدور، كما ان سليمان لن يعتمد سياسة الحياد السلبي فيترك الافرقاء اللبنانيين يتنازعون في ما بينهم بل سيعتمد سياسة الحياد الايجابي فيعمل على بناء جسور الحوار والتلاقي والتقارب بين مختلف الاطراف من اجل اعادة بناء الدولة على اسس راسخة تعزز استقلال لبنان وسيادته".
السلاح والعلاقات مع سوريا
وكشفت مصادر ديبلوماسية اوروبية وعربية معنية بالملف اللبناني ان برنامج الرئيس سليمان يتضمن المسائل والقضايا الاساسية الآتية:
أولا، العمل على انهاء "الحرب الاهلية" القائمة في نفوس القيادات والافرقاء بما يقلص ويزيل تدريجا الاحتقان الطائفي الشديد والتوتر البالغ الحدة في العلاقات بين الاطراف اللبنايين ويعزز وحدتهم الوطنية. وتحقيق ذلك يتطلب معالجة مختلف القضايا العالقة في اطار الحوار الوطني وعدم استبعاد اي منها والتوصل الى تفاهمات محددة بشأنها وبدء العمل على تنفيذها. وسليمان يدرك تماما اهمية هذه الخطوة اذ انه كان يردد امام زواره قبل انتخابه "ان المهمة الاولى التي سأقوم بها في حال انتخابي رئيسا هي انجاز المصالحة الوطنية لان المشكلة العميقة والحقيقية تكمن في ازمة الثقة بين الافرقاء اللبنانيين".
ثانياً، معالجة مشكلة سلاح "حزب الله" وكل ما يرتبط بها في اطار الحوار الوطني وبمشاركة الحكومة، ليس فقط لأن اتفاق الدوحة ينص على ضرورة بحث العلاقات بين الدولة ومختلف التنظيمات بمشاركة الجامعة العربية وبما يؤدي الى تعزيز سلطات الدولة على كل اراضيها، بل ايضا وخصوصا لأن هذه القضية مطلب اساسي وحيوي يريد اللبنانيون بغالبيتهم العظمى ايجاد حل لها خصوصا نتيجة ما قام به "حزب الله" اخيرا في بيروت والجبل، ووفقا لما قاله لنا ديبلوماسي عربي مطلع: "ان الشراكة القائمة بين الجيش والمقاومة منذ سنوات والتي ساعدت كثيرا على تحرير الجنوب يفترض بها ان تسهل معالجة مشكلة سلاح حزب الله من خلال حوار يرعاه الرئيس سليمان ويشارك فيه ممثلون عن جميع الافرقاء وبمشاركة عربية اذا تطلب الامر من اجل ان يصبح هذا السلاح جزءا من استراتيجيا دفاعية لحماية لبنان وليس ان يتصرف به الحزب وحده وبالتنسيق مع القيادتين السورية والايرانية كما حدث حتى الآن. وهذا ما يحقق المصلحة الوطنية ويطمئن اللبنانيين فعلا الى ان ما حدث في بيروت والجبل اخيرا لن يتكرر ويحبط اي خطط لاضعاف الجبهة الداخلية". واضاف: "ان كل الدول العربية، ومن ضمنها سوريا، ترفض بشكل قاطع وجود تنظيم مسلح لحزب الله في اراضيها يعمل بشكل مستقل عن الدولة ويملك سلاحا ثقيلا وآلاف الصواريخ والقذائف ويتصرف بها كما يريد. وتقضي متطلبات السلم الاهلي بوضع حد لهذا الاستثناء الغريب في لبنان، وهو ما يتطلب ان تكون المقاومة خاضعة لسلطة الدولة وليس ان تتحرك بشكل مستقل عنها او ان تكون الدولة خاضعة لسلطة المقاومة. وهذا يعني، فعليا، التفاهم مع حزب الله على ضرورة وضع سلاحه في تصرف الجيش وان يعود قرار الحرب والسلم في التعاطي مع اسرائيل الى الدولة والسلطة الشرعية وليس ان يظل في ايدي هذا الحزب وخاضعا للحسابات السورية والايرانية. وهذه مهمة صعبة ومعقدة، لكن الرئيس سليمان على اقتناع تام بضرورة ايجاد حل سلمي لهذه المشكلة عبر الحوار والتفاهم بين مختلف الافرقاء".
ثالثاً، الاشراف على عملية تصحيح العلاقات بين لبنان وسوريا بمشاركة الحكومة وبدعم من المجموعة العربية بهدف وضع صيغة جديدة لهذه العلاقات يتخلى في اطارها ونتيجتها نظام الاسد عن مساعيه للهيمنة مجددا على هذا البلد. وقد حدد ميشال سليمان، الذي تربطه علاقات جيدة بسوريا وبرئيسها، في خطاب القسم طبيعة هذه العلاقات الجديدة الندية والرافضة التبعية التي يأمل اللبنانيون في اقامتها مع السوريين، اذ انه اتخذ في هذا الخطاب اربعة مواقف وطنية مهمة تتعارض مع سياسات نظام الاسد وتوجهاته واهدافه. فقد تبنى سليمان في خطاب القسم، اولا موقف الاستقلاليين وليس موقف حلفاء دمشق حين اكد ضرورة اقامة علاقات اخوية مع سوريا "ضمن الاحترام المتبادل لسيادة وحدود كل بلد وانشاء علاقات ديبلوماسية تعود بالخير لكل منهما"، كما شدد على ضرورة ان تكون هذه العلاقات "مميزة وندية خالية من اي شوائب اعترتها سابقا بحيث نعمل على الافادة من تجارب الماضي وتداركها". وهذا الكلام يعني رفض العودة الى مرحلة الهيمنة السورية واخطائها. كما اكد سليمان، ثانيا، صراحة وبوضوح التزامه احترام قرارات الامم المتحدة "ومساهمتنا في قيام المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وما تلا من اغتيالات، تبيانا للحق واحقاقا للعدالة"، وهذا ما ترفضه القيادة السورية التي ترى في المحكمة الدولية تهديدا لها وقد سعت بوسائل مختلفة الى منع قيامها وتعطيلها. واكد سليمان، ثالثا، ضرورة "قبول نتائج الانتخابات النيابية الحرة واحترام الارادة الشعبية"، وهذا ما رفضته وترفضه القيادة السورية منذ فوز القوى الاستقلالية بغالبية المقاعد النيابية في انتخابات عام 2005 اذ انها تعاملت مع هذه الغالبية على اساس انها "وهمية" وحرضت حلفاءها على محاربتها ومحاولة انهاء حكمها بوسائل عدة منها القوة المسلحة والتعطيل واساليب التهديد والعنف المختلفة. واكد سليمان، رابعا، رفضه الصريح لاستخدام "لغة التخوين" في تعامل الافرقاء اللبنانيين مع بعضهم البعض، وهي لغة استخدمتها فعليا المعارضة وبتشجيع من دمشق اذ انها اتهمت باستمرار، ومنذ انتهاء الحرب الاسرائيلية على لبنان صيف 2006، قوى الغالبية وحكومة فؤاد السنيورة بالخيانة والعمالة لاميركا واسرائيل كما اتهمتها بالتآمر على المقاومة وسوريا، وذلك كله خلافا للحقيقة، وفي الوقت الذي كانت هذه المعارضة تطلب المشاركة مع الغالبية في حكومة وحدة وطنية واحدة.
أي لبنان يريدون؟
رابعاً، تركيز الجهود بالتعاون مع الحكومة ومجلس النواب على انهاء معاناة اللبنانيين من خلال العمل على تحسين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، وهذا يتطلب ايجاد استقرار سياسي وامني وظروفا داخلية تعزز السلم الاهل وصيغة العيش المشترك وتطمئن اللبنانيين الى مستقبلهم، كما ان هذا الامر يتطلب تقوية علاقات لبنان مع الدول العربية والمجتمع الدولي، وليس مع سوريا وايران وحدهما، بما يؤمن حماية عربية ودولية للبنان المستقل ويجذب اليه الاستثمارات والمساعدات الضرورية. ووفقا لما قاله ديبلوماسي اوروبي مطلع: "ليس ممكنا انقاذ لبنان من وضعه الحالي البالغ الصعوبة اذا لم يتفق الافرقاء على صيغة واضحة تضمن استمراره كمجتمع مسالم، وليس كمجتمع حرب وساحة مواجهة مفتوحة خدمة لمصالح السوريين والايرانيين".
خامساً، المشاركة مع الحكومة ومجلس النواب في اعادة الاعتبار والصدقية الى الدولة ومؤسساتها الشرعية، وبحيث يرافق ذلك الحرص على احترام الدستور ودرس امكان تطوير او توضيح بعض مواده بموافقة جميع الافرقاء لمنع الوصول مجددا الى المأزق الخطر الذي عانى منه اللبنانيون طوال العامين الماضيين ولمنع طرف من تعطيل البلد ومؤسسات الدولة خدمة لمصالحه.
سادساً، العمل على توفير الاجواء الملائمة، سياسيا وامنيا واعلاميا، لاجراء انتخابات نيابية حرة في ايار 2009 على اساس القانون الجديد وفي افضل الظروف الممكنة وبحيث يقرر اللبنانيون في هذه الانتخابات اي لبنان يريدون: هل انهم يريدون لبنان المستقل السيد الديموقراطي التعددي المتحرر من اي هيمنة والمنفتح على العالم والملتزم قرارات الشرعيتين العربية والدولية التي تؤمن الحماية له، ام انهم يريدون لبنان الواقع في اسر قوى متشددة تستخدم العنف والسلاح في الصراع السياسي الداخلي، والخاضع لنظام متسلط والراضخ لجهات اقليمية تريد تحويله ساحة مواجهة مفتوحة تجلب لابنائه الدمار والخراب خدمة لمصالحها بدلا من ان يكون وطنا مستقرا قائما في ذاته؟
هذه هي القضايا الاساسية التي يتضمنها برنامج الرئيس الجديد. ووفقا لما اكده مسؤول عربي بارز التقى سليمان أكثر من مرة: "ان من مميزات الرئيس الجديد انه يتمتع بحس وطني شديد وانه واقعي يدرك تماما انه ليس قادرا على ان ينقذ لبنان وحده بل قادر ومصمم على اطلاق وقيادة مسيرة انقاذية ينضم اليها مختلف الافرقاء وتنقل لبنان من مرحلة الصدام والمواجهة والحروب العبثية الداخلية والاستهتار بمصير الوطن وبمعاناة اللبنانيين الى مرحلة التفاهم السلمي على مختلف القضايا العالقة واعطاء الاولوية لمصالح ابناء هذا البلد وليس لمصالح جهات اقليمية. وهذا ما يريده اللبنانيون فعلا وما يتوقعون حدوثه في عهد ميشال سليمان".