يريدون من السنيورة ان يُدخل الجرّة في الابريق
فؤاد أبو زيد (الديار)
قياساً على الشروط والمطالب التعجيزية التي يرميها رؤساء الكتل النيابية، والمستوزرون، في وجه الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة فؤاد السنيورة، والتنازع الحاصل بين ابناء الصف الواحد على الوزارات السيادية والخدماتية، كما هو واقع الحال بين التيار الوطني الحر وحركة امل حول الامساك بوزارة الصحة، يمكن القول ان الذين لم «يبلعوا» اعادة تكليف السنيورة، بعدما كانوا «نشروه» بالطول والعرض على صنوبر بيروت، وقالوا فيه ما لم يقله مالك في الخمر، رأوا ان يسيروا مع الريح النافخة في شراع السنيورة، على ان يعمدوا، عند استشارات التوزير الى تكبير حجمهم ومطاليبهم، بحيث يعجز فؤاد السنيورة عن تلبية هذه الشروط والمطالب، لأنه يستحيل عليه ان يّدخل الجرة في الابريق، وبالتالي يضطر الى الاعتذار عن عدم القدرة على تشكيل الحكومة، فيرتاحوا ممن ازعجهم واتعبهم طول ثلاث سنوات، او انه يستمر في علك الهواء، وفي تصريف اعمال حكومته المستقيلة، فتقوم عليه قيامتهم، ويبدأ اتفاق الدوحة بالتصدع، والله يعلم ماذا يمكن ان يحدث بعد ذلك.
المصادر المقربة من الرئيس السنيورة، تؤكد ان التباينات والمطالب التي برزت بين قوى تحالف 14 اذار قد حلت بالكامل تقريبا، وان المشكلة الحقيقية التي تواجه تشكيل الحكومة الآن، هي مطالبة العماد ميشال عون بخمس حقائب وزارية من الحقائب الـ 12 الباقية المخصصة للمسيحيين، على اعتبار ان ثلاث حقائب «مسيحية» خصصت لرئيس الجمهورية وفق اتفاق الدوحة، وبذلك لا يبقى سوى 7 حقائب «مسيحية» يجب توزيعها على حزب القوات اللبنانية، وحزب الكتائب، وشخصيات ونواب قرنة شهوان، والمسيحيين المتعاونين مع تيار المستقبل والحزب الاشتراكي، وهذا الامر يعني ان التيار، يطالب بثلث عدد المقاعد الوزارية المخصصة للمسيحيين، دون ان يأخذ في الاعتبار المتغيرات الجذرية التي حصلت على الساحة المسيحية وكان لها صدى واقعيا وملموسا في انتخابات المتن الفرعية، وفي انتخابات الجامعات والنقابات والمهن الحرة، وفي طليعتها نقابات الاطباء والمحامين والمهندسين، وربما لهذا السبب يجهد التيار الوطني الحر، استدراكا لهذا الواقع، للحصول على حقائب خدماتية، علّه يتمكن عن طريق الخدمات، استنهاض شعبيته قبل الانتخابات النيابية العامة في ربيع العام 2009، خصوصا بعد عدم تمكن العماد عون من الوصول الى منصب الرئاسة الاولى، وبعد انسحاب النائب ميشال المر من تكتل التغيير والاصلاح، واذا كان نواب التيار الوطني الحر، يتحصنون وراء كتلة نيابية كبيرة، هي مجموعة كتل قد تكبر وقد تقل، للمطالبة بثلث المقاعد المخصصة للمسيحيين، فان كتلتهم تضم عددا من النواب المسلمين، ويمكن طلب توزير احد هؤلاء، اذا كان التيار يريد حقا ان يتفاعل ويتبادل مع حلفائه، ويريد فعلا ان يساهم في تسهيل مهمة الرئيس ميشال سليمان.
تعود المسيحيون، وخصوصا الموارنة منهم، وعندما استوطنوا هذه الارض، منذ الاف السنين على التمسك بكرامتهم وعنفوانهم وحريتهم، وعلى التعددية المتحركة وفق الظروف والطوارئ، بعيدا عن حياة التبعية والقطيع، ولكنهم في كل تنوعهم وخلافاتهم، كانت تجمعهم مرجعية روحية وزمنية واحدة هي مرجعية بكركي، وعندما كانت هذه المعادلة تختل بسبب من الاسباب، كما هو الواقع اليوم، كان المسيحيون يدفعون دائما الثمن، ولذلك فان التنوع القائم اليوم في الساحة المسيحية السياسية، هو امر جيد ومطلوب ونتمنى ان تنتقل عدواه الى باقي الطوائف الشريكة في الوطن، ولكن ما ليس جيدا وليس مطلوبا هو هذه الهجمة غير المسبوقة من قبل التيار الوطني الحر على باقي الاحزاب والتيارات والشخصيات المسيحية، وعلى بكركي بالذات، وكلنا يعلم مدى التضحيات التي دفعها هؤلاء على مدى عقود من الزمن لتبقى للمسيحيين حريتهم وكرامتهم وحقهم في ارضهم.
الانتخابات النيابية العامة على مسافة اشهر قلية من اليوم، والعدد القليل من النواب المسيحيين الذي لا يتجاوز الثلاثين نائبا، ممن سيفوزون باصوات مسيحية سيكون وحده المعيار الذي يحدد حجم كل فرق مسيحي، وليس البهورات والتسريبات والتشنيعات، فاذا جدد المسيحيون تأييدهم للتيار الوطني، فليأخذ ما يشاء من الحقائب الوزارية، ولكن ليتفضل اليوم ويسهل عمل الرئيس المسيحي الوحيد في العالم العربي، بدلا من التصويب على هذا الفريق، او تلك الجهة، وهو في النتيجة لا يصيب الا مصلحة المسيحيين ومصلحة الوطن.