ساركوزي: اتفاق الدوحة يكرس انتصار الحوار على العنف
وصف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي زيارته ووفداً يضم زعماء الاحزاب السياسية في فرنسا ورئيس الوزراء الفرنسي اليوم لبيروت بانها ذات "بعد غير مألوف على الاطلاق" وادرجها في اطار "رسالة واضحة جدا" هي ان "فرنسا صديقة جميع اللبنانيين من دون اي تمييز".
ووصف اتفاق الدوحة بأنه "نص متوازن يكرس قبل كل شيء انتصار الحوار على العنف ويوفّر مخرجا من الازمة يخرج منه الطرفان رابحين من دون مغلوب ومع غالب واحد هو الشعب اللبناني". وحض جميع المسؤولين اللبنانيين على "ان يفوا بالتزاماتهم من حيث عدم اللجوء الى العنف والمشاركة بحسن نية في الحوار الذي سيديره رئيس الجمهورية".
وعشية زيارته لبيروت اجاب الرئيس الفرنسي عن اسئلة وجهتها اليه "النهار" و"الاوريان لوجور" و"السفير"، كالآتي:
سؤال: فخامة الرئيس، انتم اول رئيس دولة غربية يزور لبنان لتهنئة الرئيس سليمان، ما هي الرسالة التي تحملونها الى بيروت؟
الرئيس: انه لمن دواعي السرور العظيم بالنسبة إليّ ان آتي اخيرا، بعد اشهر من الانتظار، لالقي التحية على رئيس الجمهورية اللبنانية الجديد العماد ميشال سليمان، واقدم له التهاني. هذا الانتخاب يشكل بارقة أمل بالنسبة الى جميع اللبنانيين وكذلك بالنسبة الى اصدقاء لبنان كافة، وخصوصا فرنسا.
لقد حضرت سريعا الى بيروت لتهنئة الرئيس المنتخب، وكنت قد تعهدت ذلك. اود ان اعبّر له عن تقديري الشخصي وان اعرب له عن كامل دعمي وعن استعداد فرنسا التام لمواكبة لبنان في هذه المرحلة المصيرية. جئت كذلك لاحيي الشعب اللبناني الذي اجتاز الكثير من المحن والذي يستحق ان يستعيد السلام والازدهار في بلد سيّد مستقل.
سؤال: ينظر قسم من اللبنانيين الى اتفاق الدوحة على انه انتصار لمحور اقليمي على حساب ارادة الاسرة الدولية التي تدعم الحكومة والاكثرية. هل هذا الاتفاق قابل للحياة؟
الرئيس: يبدو اتفاق الدوحة، في نظري، نصا متوازنا يكرس قبل كل شيء انتصار الحوار على العنف ويوفر مخرجا من الازمة يخرج منه الطرفان رابحين، من دون مغلوب ومع غالب واحد هو الشعب اللبناني.
ان المواجهات الخطيرة التي اندلعت اخيرا والتي تركت اثرها، يجب ان تحمل المسؤولين اللبنانيين على أن يعوا ضرورة وضع حد للانقسام المقلق في البلاد.
بفضل الدور الفاعل الذي مارسته قطر وجامعة الدول العربية وكذلك بفضل جهود فرنسا وغيرها من الدول الاوروبية، سمح اتفاق الدوحة باجراء الانتخابات الرئاسية بعد ستة اشهر من التأخير. وهذا يعتبر في ذاته اول مكسب اساسي علاوة على ذلك، يهدف هذا الاتفاق الى ارساء اسس المصالحة الوطنية. لبلوغ هذا الهدف، يتعين على جميع المسؤولين اللبنانيين ان يفوا بالتزاماتهم من حيث عدم اللجوء الى العنف ومن حيث المشاركة بحسن نية في الحوار الذي سيديره رئيس الجمهورية.
سؤال: هل تندرج زيارتكم في اطار استمرار السياسة الفرنسية ازاء لبنان؟ ما الفارق بين فرنسا في عهد جاك شيراك وفرنسا في عهد نيكولا ساركوزي في ما يتعلق بلبنان؟
الرئيس: لهذه الزيارة بعد غير مألوف على الاطلاق، بما ان الوفد المرافق يضم زعماء الاحزاب السياسية الممثلة في البرلمان الفرنسي ورئيس الوزراء. وهذا امر استثنائي، لا بل اظن ان لا سابق له.
اما الرسالة فواضحة: ان تضامن فرنسا مع الشعب اللبناني وتمسك بلادنا باستقلال لبنان وسيادته ليسا مسألة تتعلق باحزاب سياسية او باشخاص معينين، بل هي مسألة تعني الدولة الفرنسية بأسرها، وهي تعبر عن سياسة فرنسا الدائمة والثابتة.
مع الوفد المرافق، سنلتقي ممثلي جميع المجموعات السياسية اللبنانية الممثلة في البرلمان اللبناني. وهنا الرسالة واضحة جدا كذلك: ان فرنسا صديقة جميع اللبنانيين، من دون اي تمييز.
كما ترون اذا، ان الصداقة بين فرنسا ولبنان هي العنوان العريض لهذه الزيارة. وهي صداقة لا يمكن تجزئتها، سواء من هذا الجانب او من ذاك. يبقى، كما تعلمون، التزام فرنسا الكامل حيال اعادة اعمار لبنان على الصعيد الاقتصادي، من خلال الالتزامات التي تم اتخاذها اثناء مؤتمر باريس 3. في الجنوب، تبقى فرنسا دعامة من دعائم اليونيفيل المعززة، الى جانب القوات الاخرى، وهي تساهم كل يوم في استقرار الوضع بناء على القرار 1701 الصادر عن الامم المتحدة. واخيرا، تبقى مطالبتنا بالحقيقة والعدالة هي هي، في ما يخص الاغتيالات السياسية التي ارتكبت في لبنان.
سؤال: ما هو التغيير الذي سيحدثه في السياسة الفرنسية حيال لبنان وسوريا وايران الانفتاح الفرنسي الاخير على سوريا؟ كيف يمكن استثماره؟
الرئيس: تعلمون لا شك في انني قلت بوضوح في القاهرة في 30 كانون الأول الماضي انني لن اعاود الاتصالات مع سوريا الا لدى حدوث تطورات ايجابية وملموسة في لبنان من اجل الخروج من الازمة. يجب الاعتراف بان اتفاق الدوحة وانتخاب الرئيس سليمان وتكليف فؤاد السنيورة مواصلة مهماته كرئيس لمجلس الوزراء تشكل تطورات كالتي ذكرتها. لقد استنتجت من ذلك الخلاصات الضرورية واتصلت بالرئيس الاسد لاعرب له عن رغبتي في ان يتواصل وضع الاتفاق موضع التنفيذ. وقلت له ايضا ان المحادثات غير المباشرة بين بلاده واسرائيل بواسطة تركيا تذهب في الاتجاه الصحيح وشجعته على المضي قدما في هذا الاتجاه. كما أنني اغتنمت هذه الفرصة لدعوته الى المشاركة في قمة الاتحاد من أجل المتوسط في 13 تموز، تماما كما دعوت جميع رؤساء الدول والحكومات في البلدان المتوسطية، بدءا بالرئيس سليمان.
اليوم، ان فتح صفحة جديدة في العلاقات بين فرنسا وسوريا قد يكون في صدد الحدوث. مرّت فترة طويلة جداً كان خلالها الوضع المتأزم والشلل في لبنان يعوقان معاودة الحوار بصورة تدريجية، عنيت بذلك حوارا حقيقيا يمكّن بلدينا من التحدث عن مصالحهما المشتركة. قد تكون الأمور اليوم في صدد التغيّر. على كل حال، هذا ما آمله.
أعتقد أن مصير لبنان ومصير المنطقة مرتبطان بعضهما بالبعض على نحو وثيق للغاية. فلن يكون هناك سلام واستقرار في الشرق الأدنى ما لم يحل السلام والاستقرار في لبنان. ما أوده وما آمله هو أن تساهم دمشق على نحو ايجابي في أن تعود بلاد الأرز الى ما كانت، أي الى الوضع الذي ما كان ينبغي عليها الانسلاخ عنه يوما، عنيت بذلك بلدا منفتحا ومزدهرا، وبلدا موحداً ضمن اطار تنوّعه، آمنا، مستقرا، سيدا ومستقلا. فمن المفترض أن يجد الجميع أن استقرار لبنان من مصلحتهم جميعاً.
سؤال: هل تعتقدون أن عمل المحكمة الخاصة بلبنان قد يخضع لنوع من أنواع المساومة مع دمشق اذا تحسنت علاقات النظام السوري مع الدول الغربية؟
الرئيس: اللبنانيون يريدون وضع حد للإفلات من العقاب وهم متعطشون الى العدالة. والمجتمع الدولي عازم على مساعدة لبنان من أجل طيّ صفحة الاغتيالات السياسية. ان تشكيل المحكمة الخاصة يتقدم بسرعة وهي عملية لا تراجع عنها. كما أن قرارات مجلس الامن التابع للأمم المتحدة تفرض نفسها على الجميع. وأنا أولي هذا الملف أهمية كبرى، وهو يستحوذ على اهتمام خاص من جانب المجتمع الدولي. وهذا ما شهدناه أخيراً عندما قرر مجلس الأمن بالإجماع أن يمدد تفويض لجنة التحقيق ستة أشهر، على أساس مشروع فرنسي.
ونقلت "وكالة الصحافة الفرنسية" عن الرئيس الفرنسي قوله في مؤتمر صحافي امس في اثينا، رداً على سؤال عن سبب الغائه الزيارة التي كانت مقررة لذوي القبعات الزرق الفرنسيين: "لقد رأيت ان مغزى الزيارة سيكون اقوى اذا ما اكتفيت بزيارة بيروت والسلطات اللبنانية".