أتكون مجرّد هدنة بين جولتين؟
على الرغم من "نوبات" التفاؤل التي أصابت اللبنانيين، لا سيما مَنْ ينتمون الى ثقافة الحياة والسلم الأهلي، والمجتمع المدني، والديموقراطية والسيادة، والدولة، فإن ما جرى في الدوحة (من ضغوط على المتفاوضين)، وما بعد الاتفاق (خطاب نصر الله والهجوم الغستابوي الذي تجدّد على الأحياء كرد على خطاب القسم وكرد أيضاً على الاحتفال بالتفاؤل)… أضعف تلك الاحساسات "الايجابية".
وتذكر اللبنانيون مثيلات التفاؤل في الحروب الميلشيوية الماضية على امتداد أربعة عقود (منذ 1969)، وكيف كانت نهاية كل جولة عنف تُتوَّج بتفاؤل، لتكون مقدمة لجولة أخرى، وهكذا دواليك. ولا نظن أن الأمر يختلف اليوم، من خلال ما يُلحظ على الأرض: فالاعتداءات مستمرة على الناس، وبعض المكاتب والمراكز ما زالت محتلة من قبل "المظفرين أدناه"، وكثير من العائلات والأفراد ممنوعون من العودة الى منازلهم (أهو تهجير أولي قد يليه تهجير أوسع في المستقبل لأهالي بيروت! أهي اسرائيل أم ماذا؟ الغستابو أم ماذا؟).
والاعلام المخملي المسنون ما زال "شغالاً"، والاحتقان الأمني والسياسي والطائفي في عزه، وَزَهْوة "الانتصار" المزيف ما زالت تحرك العقول المبرمجة على العنف تماماً كما كانت تحرك أسلافهم من الميلشيات أيام كان الجميع ميلشيات! ليرافق كل ذلك دأب منظم مملى من الخارج لإعاقة تأليف الحكومة…
إذاً ما زالت أدوات "الفتنة" تَبْركُ في النفوس، وفي الشوارع، وفي المكاتب الحزبية والمنازل التي تعج بالمسلحين. عال! إذاً، هناك استمرار لمخطط تعطيل كل حل، وكل مصالحة، بل، واستشفافاً، هناك مخطط لاستكمال الغزوات ربما في مناطق أخرى (فشل الغزو في الجبل وفي سواه أخّر عملية استكمالهم الانقلابي على مفاصل لبنان)، من دون أن ننسى، وجهات الخطة المذكورة، محاولة تعطيل الجيش بتحييده أو بإرهابه (من حركة العبسي الى اغتيال بعض الضباط وأخيراً الاعتداء على مركز العبدة وليس أخيراً الاستمرار في بث السموم والشائعات عن دور الجيش والمقاومة والناس).
الدويلة هل تريد أن تعلن حدود دولتها الكبرى. تتمدّد جغرافياً وسياسياً ونفسياً؟ (حتى المرؤوس السابق اميل لحود يحتفل بنصره، ليذكرنا بأن في عهده ارتكبت أكبر كمية من الاغتيالات المعنوية والسطو على المؤسسات والفساد والقمع! براو! اميل: أوعى تستحي أرجوك!). ونظن أن ما أغاظ أصحاب أفكار "الدويلات"، هم الناس، الذين اعتبروا احتفالهم بالسلم، وبالتوافق، وبانتخاب سليمان رئيساً، ولا سيما الفرح وحب الحياة استفزازاً "لثقافتهم" المركبة على ثقافة العنف والترويع. ولهذا، أغاروا على وسط العاصمة في يوم "الاحتفال" الأول وضربوا الناس، وأفسدوا "الفرحة"، وانبسطوا: خي! "منعناهم من الشعور بالحياة" خي! "منعناهم من ممارسة الحياة". آه! زهوّ! وأي متعة سادية في أن تطفئ كل لمعان مَسَرَّة في عيون الأطفال أو النساء أو الناس! فـ"وكلاء الجنة" يعاقبون أهل النار والسعير! عال!
إذاً، ها من جديد، عودة الى القديم: والأساس الاستمرار في "احتلال" بعض بيروت واستخدام هذا "الاحتلال" وسيلة (قد يكون غاية مَنْ يدري) لتعطيل أي حل، ولممارسة إخضاع اللبنانيين. فكيف يمكن اللبنانيين أن يتفاءلوا إذا كان "غربان" الدم، ما زالوا مصرّين على أن الدم، دم اللبنانيين، طريقهم الى السلطة، والى تنفيذ ما أُملي عليهم من الخارج، لضرب الانجازات التي حققت: السيادة، الاستقرار، وانتعاش المجتمع المدني… دور بيروت الطليعي والتنوّع والتعدّد!
كأنهم يقولون بالأفواه الملآنة ان على اللبنانيين أن يكونوا دائماً على أهبة (أو أمام هاوية) وأن كل شيء يجب أن يكون على المحك (أي كل شيء مرحلي): الأمن، الدولة، الناس، المجتمع. وهذا ما نجح به أهل الاستبداد والغلو. بات يعني كل هذا للبنانيين (من أهل السلم لا من أهل التخريب) البقاء باستمرار، على غير يقين، وعلى خوف، وإذا كانت جمهورية الخوف المخابراتية السابقة (بقيادة اميل لحود) قد حوصرت بـ14 آذار، فإن كل ما تمّ بعد ذلك كان حؤولاً دون الوصول الى جمهورية الأمان. وقد عادوا (كما يشعر اللبنانيون من أهل المواطنية) اليوم، بعد "السطو" المسلح على بيروت، كأنما ليعلنوا عودة "جمهورية الخوف" الميلشيوية بقيادة حزب السلاح المقدّس، بمخططات مكشوفة لتمييع أي محاولة لتأليف حكومة مصالحة أو "وحدة وطنية"، ومحاولة إفراغ رئاسة الجمهورية من محتواها الجمهوري، ومن كل دور وجهوزية، لإرساء سيادة الدولة على كل الأراضي اللبنانية (وماذا تفعل الدويلة الكبرى عندها!)، وبحث السلاح المنتشر هنا وهناك والبؤر الكانتونية والأمنية والمناطق الخارجة على القانون والدولة والسلطة… والشعب اللبناني.
بمعنى آخر، محاولة تحويل الرئيس ميشال سليمان نسخة طبق الأصل عن إميل لحود(أحد أبطال المقاومة، فأبشروا!): أي رئيس بلا رئاسة، ورئاسة بلا جمهورية، للوصول الى جمهورية بلا رئاسة: جعل الرئيس مجرّد خرقة في يد دويلة حزب الله المفتوحة على الولايات الفقهية وغير الفقهية بالايمان والتكليف والعنف… والانقلاب!
ونظن أن المعوقات التي تُرفع في وجه تأليف الحكومة، والاعتداء على الجيش، وعلى العُزَّل، وتهديد المجتمع المدني، وتوتير الأمن، كل ذلك يعود بنا الى الماضي: فقد كان عندنا رئيس جمهورية يُعطل الجمهورية، وكان عندنا مجلس نواب أقفله رئيسه، وحكومة محاصرة، وجيش "محايد"… و"دويلة" كبرى في يدها قرارا الحرب والسلم، والأرواح، والأرزاق، والتخوين، والترويع: كل هذا ما زال موجوداً. وإذا جاء انتخاب سليمان استثنائياً فإنهم يريدون إعدام هذا الاستثناء وإحراق ميشال سليمان باكراً. هذا أسلوبهم ومُضْمَرَهم، وكل ما عدا ذلك "حديث خرافة يا أم رنغو".
السؤال الأساسي المطروح: ماذا سيفعل المجتمع المدني إزاء هذه المحاولات الانقلابية المتجددة، وإزاء الاعتداءات التي يتعرّض لها، وإزاء انتشار "المسلحين" (وإن بلباس مدني استعداداً لغزوات جديدة)؟ هل يراهن على الجيش من جديد، وهو الذي لم يُنجده بعدما ركن إليه؟ بل وهل يمكن الركون أصلاً الى تركيبة الجيش نفسه في مثل هذه الظروف؟ هل سيكتفي اللبنانيون العُزل بتقديم الشكاوى والمطالبة بحمايتهم وهم فرائس على مرمى القتلة؟ أم أنهم سيكونون محكومين بالدفاع عن أنفسهم، بإعداد دفاعاتهم الخاصة، وربما ميلشياتهم الخاصة أسوة بمن يهدد أمنهم، وهل سيستمرون في التفرج على مَنْ يريدون دك دولتهم، وتحطيم مؤسساتها، واستنفاد طاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية؟
فبيروت في "قبضة" حفنة من المسلحين: أي أن مليون شخص رهائن لدى مجموعات مؤتمرة إما من خارج لبنان أو من داخله، أي مؤتمرة بتنفيذ مثل هذه السلوكيات وترويع الناس لإذلالهم بالخوف. ماذا يفعل مليون لبناني في بيروت يشعرون بأنهم مهددون؟ هل يكتفون بسماع قياديي هؤلاء يتنصلون (!) ويعلنون "رفع الغطاء عن المسلحين والمعتدين" ويطالبون (!) بأن تقوم القوى الأمنية بدورها (!): ضحكٌ على الذقون والدهون والبودرة… والماكياج، وأسطوانة مشروخة تتكرر منذ عهد الميلشيات السابقة: مَنْ سيحمي المواطن الأعزل اليوم؟ والمؤسسات؟ والأرواح؟ والكرامات؟ وحرية التعبير؟ والديموقراطية؟ والدولة نفسها بل أكاد أقول والجيش نفسه (كأنما بات الجيش يحتاج الى مَنْ يحميه! براو!). يطرقون أبواب المواطنين ويفتشون عن أسماء ويخطفون مَنْ يشاؤون! إذاً: قانون الميلشيات السيئ الذكر يعود! إذاً هل تتكوّن ميلشيات مقابلة؟ ليس في بيروت فقط وإنما في كل لبنان: وعندها فليكن ما يكون؟
هذا هو الواقع: فرض قوى أمر واقع في جمهورية خوف جديدة يراد أن يكون غطاؤها رئيس جمهورية، وحكومة مهلهلة مخترقة بمخابرات من الدرجة العاشرة، ومعطوبة بخللها، ومجلس نواب "دقي دقي يا ربابة"! ليكون اتفاق الدوحة حبراً في الهواء، وورقاً هباءً! ويبقى كل شيء على حاله وأكثر: ضرب المقومات الأساسية التي يقوم عليها المجتمع: أي شل الحياة السياسية، وهيمنة الارهاب والترهيب والمخابرات والتهديد والتخريب… تمهيداً لحروب الكانتونات التقسيمية المحتملة؟
هذه ملامح السيناريو الذي يرسمه 8 آذار: تجويف الدولة، والجيش، ومجلس النواب (المجوّف أصلاً!)، والحكومة وتقوية دويلة حزب الله وتعزيز أسلحته الموجهة نحو الداخل، ليستخدم في المخططات السياسية وفي الانتخابات النيابية وحتى في مختلف الأمور الاقتصادية! إذاً بات كثير من اللبنانيين يرون بعد كل ما جرى في بيروت والجبل والشمال والبقاع، أن عليهم الدفاع عن أرضهم وشرفهم وكرامتهم وحرياتهم بأنفسهم، في مواجهة الشراذم الميلشيوية، وأن عليهم أن يدافعوا أيضاً عن الدولة كملجأ أخير لهم: فكيف يستوي ذلك؟ الله أعلم!
ولهذا نخشى القول ان المرحلة المقبلة (إذا ما كانت مجرّد هدنة)، قد لا تكون سوى مجال لتكوين "مقاومات مدنية" وغير مدنية (!)، ودفاعات ذاتية تساجل الاعتداءات المنظمة، وتوازنات "أسلحة" ومسلحين ومواجهين، وعندها سيكون كل شيء في المهب، لكن سيكون كل شيء واضحاً: ميلشيا بميلشيا، وسلاح بسلاح، وقوة بقوة! وخراب بخراب! ليكون أهل 8 آذار "المبتهجون" بانتصار مزيف في بيروت من طرف واحد نسميه عملية سطو مسلحة، هم المسؤولين عن استحضار هذه الحالات الكارثية وهذه الانتفاضات التي قد لا تشبه الانتفاضات "السلمية" كمثل "انتفاضة الأرز" ليعني كل ذلك سقوط رهان أكثرية اللبنانيين على التحرّكات السلمية، وعلى المرجعية المدنية، وحتى على المقوّمات الأساسية للجمهورية: وعندها نكون ربما أمام ظواهر كانتونية متجددة شبيهة بالكانتون الالهي! ولِمَ لا؟ أو لم يكن لبنان على امتداد الحروب السابقة مجموعة كانتونات! عال: 8 آذار يستدعون اللبنانيين الى ذلك، فماذا لو لبّوا نداءَهم، واستجابوا رغباتهم؟
إن مثل هذه السيناريوات "المخيفة" باتت شبه واقعية إذا لم يتراجع الانقلابيون عن سياساتهم، ومخططاتهم، وطموحاتهم في الاستيلاء على الدولة بالقوة، أو تعطيلها، وتقويضها، وترهيب الناس، وبقاء المسلحين في الشوارع، والاعتداءات مستمرة! فهل ينجح رئيس الجمهورية في أن يكون رئيس جمهورية وسط كل المعوقات التي توضع وستوضع في وجهه؟ وهل تكون الحكومة حكومة إزاء ما يرسم لها لتكون مجرّد هيكل إداري لا يحكم وهل يكون (أو يستمر) مجلس النواب في كونه "ملكية" خاصة لرئيسه أو لغير رئيسه، وهل يبقى الجيش مجرّد متفرّج على ما يجري أمامه من انتهاكات وجرائم واعتداءات؟
إذا بقي كل شيء كما يريده 8 آذار، فنحن، حتماً، أمام هاوية جديدة، أعمق من كل الهاويات التي سقطنا فيها على امتداد الحروب والمؤامرات والأطماع الخارجية، ونحن حتماً أمام المجهول بكل ما عنى لنا المجهول في السابق، من هول وخراب وجنون.
ونظن، ومن ضمن الاستقراءات والاحتمالات، أن المسلحين الذين دُفعوا الى بيروت، سيبقون فيها كأدوات أمنية ضاغطة، حتى بعد تأليف الحكومة (هذا إذا أُلّفت)، وكبؤر جاهزة لإعلان نهاية هدنة… وبداية خراب جديد!
ونظن أن الاعتداءات على الجيش ستستمر، وأن الاغتيالات ستعود، وكذلك التفجيرات، وترهيب الاعلام والصحف لفرض أحادية فكرية وعقائدية، ولغة التخوين: فهي كلها وسائل تسبق وترافق كل محاولة انقلاب… أو تهديم أو تخريب.
إذاً كل الاحتمالات واردة فماذا سيفعل اللبنانيون؟