#adsense

هل ختم اتفاق الدوحة جرح الأزمة على زغل ؟

حجم الخط

لأن اتفاق الطائف أوقف الحرب لكنه لم يحقّق قيام الدولة
هل ختم اتفاق الدوحة جرح الأزمة على زغل ؟

إذا كانت أزمة الانتخابات الرئاسية قد انتهت بانتخاب العماد سليمان رئيسا للجمهورية، تواجه أزمة تشكيل الحكومة تعقيدات و"فيتوات" متبادلة، فان الازمة الاهم التي لم تجد حتى الآن حلا لها، هي الازمة الامنية التي لم يتوصل اتفاق الدوحة الى ايجاد حل جذري لها سوى "دعوة الاطراف بالامتناع او العودة الى استخدام السلاح او العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية وحظر اللجوء الى استخدام السلاح او العنف او الاحتكام اليه في ما قد يطرأ من خلافات ايا كانت هذه الخلافات وتحت اي ظرف كان".

وقد تبين ان هذه الدعوة لا تكفي اذا لم تقترن بآلية تجعل الأمن ثابتا فلا يظل كما هو حتى الآن معرضا للخروقات في بعض شوارع بيروت فينعكس ذلك سلبا على الجو السياسي ويعيده الى توتره وتأزمه ويجعل اتفاق الدوحة كأنه اتفاق ختم جرح الازمة اللبنانية على زغل. فاذا كان اتفاق الطائف انهى الحرب في لبنان الا انه لم يقم الدولة القوية القادرة، واتفاق الدوحة حال دون نشوب حرب اهلية كادت تقع. لكنه لم يحقق بعد المصالحة بين اللبنانيين والوفاق الحقيقي الشامل كي يكون ذلك سبيلا الى توفير الامن والاستقرار، ولا تولت القوات المسلحة توفير ذلك لانها تدعو الى "الحوار والوفاق وترى ان الامن في لبنان لا تحكمه البندقية" ولا قرر اتفاق الدوحة تكليف قوة من دول عربية محايدة حفظ الامن في العاصمة بيروت ريثما تصبح الدولة اللبنانية قادرة على القيام بذلك بواسطة قواتها الذاتية، مع ان الحوادث الامنية المتفرقة والمحدودة التي تقع في بعض شوارع العاصمة تستطيع قوى الامن الداخلي بمؤازرة الجيش عند الحاجة منعها ووضع حد لها بمجرد وجود دوريات ليل نهار في هذه الشوارع لملاحقة اي مخل بالامن واحالته على القضاء وكشف اي جهة سياسية تحميه او تغطيه امام الرأي العام، اذ لا يمكن الامن ان يستتب في غياب القوى المولجة بذلك وعدم حضورها الفاعل، فيبقى المعتدون على الناس الآمنين يسرحون ويمرحون ولا من يحاسب ويعاقب. وهذا من شأنه ان يشجع على الفوضى وعلى ازدياد الحوادث والاعتداءات.

الواقع ان السؤال المثير لقلق الناس هو: هل يكون تنفيذ اتفاق الدوحة مثل تنفيذ اتفاق الطائف فلا تقوم في لبنان دولة قوية تعتمد على قواتها الذاتية في حفظ الامن ولا تظل في حاجة الى قوات مستعارة؟

لقد دعا اتفاق الطائف الى حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها الى الدولة وقد تم تطبيق ذلك على الميليشيات اللبنانية اما التنظيمات الفلسطينية فظلت محتفظة بسلاحها الى ان تولى الجيش السوري بعد دخوله لبنان اخراج المسلحين الفلسطينيين الى تونس لكن السلاح ظل داخل المخيمات ليشكل بؤرا او جزرا امنية خارجة على قوانين الدولة وسلطتها، ولم تحاول سوريا مدة وصايتها على لبنان ان تفعل شيئا حيال هذا الوضع سوى جعله منضبطا داخل المخيمات بفعل وجودها العسكري، في حين كان ينبغي معالجة موضوع السلاح داخل المخيمات وخارجها معالجة جذرية لا ان تترك هذه المعالجة للدولة اللبنانية وحدها. وقد تكون سوريا تعمدت الابقاء على هذا الوضع كي تظل الدولة اللبنانية تشعر بالحاجة الماسة الى بقاء الجيش السوري او الى الوصاية السورية المباشرة او غير المباشرة من اجل الامن.
 
وبعدما خرجت القوات السورية من لبنان وانتهت الوصاية السورية وجدت الدولة اللبنانية نفسها امام معضلة السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها بحيث شكلت جزرا وبؤرا امنية يصعب على الدولة معالجتها لا بل اصبحت التنظيمات الفلسطينية الخاضعة لسيطرة سوريا عامل عدم استقرار وتعكير للامن في اماكن وجودها وورقة ضاغطة في يد سوريا كلما تصرفت السلطة اللبنانية على نحو لا يرضي المسؤولين السوريين.
ولم تساعد سوريا مدة وصايتها على لبنان على اقامة الدولة اللبنانية القوية، التي تستطيع الاعتماد على قواتها الامنية الذاتية في معالجة موضوع السلاح داخل المخيمات الفلسطينية وخارجها، كي تظل هذه الدولة في حاجة الى سوريا اقله في المجال الامني، واصبحت هذه المخيمات في وضعها الشاذ تشكل بؤرا وجزرا يحظر على السلطة اللبنانية الدخول اليها حتى لمطاردة الفارين اليها من وجه العدالة.

ولم يعد السلاح الفلسطيني وحده المشكلة التي يستعصي على الدولة اللبنانية حلها، بل اصبح سلاح "حزب الله" هو المشكلة الكبرى بعدما تحول نحو الداخل وبات كل قرار تتخذه الحكومة اللبنانية ولا يعجب الحزب يرد عليه في الشارع وليس داخل المؤسسات الرسمية والدستورية. فكما ان الوصاية السورية على لبنان مدة وجودها لم تعالج موضوع السلاح في المخيمات وخارجها، تطبيقا لاتفاق الطائف، ولم تساعد على اقامة الدولة اللبنانية القوية التي تستطيع الاعتماد على قواتها الامنية الذاتية في حفظ الامن وفرض حكم القانون، فانه يخشى ألا تساعد اللجنة الوزارية العربية على تنفيذ اتفاق الدوحة نصا وروحا، اذ لا يكفي منع قيام حرب اهلية اذا ظلت روح هذه الحرب حية في النفوس، وما الحوادث المتفرقة التي تقع من وقت الى آخر في بعض شوارع العاصمة بيروت سوى التعبير عن ذلك، انما ينبغي مساعدة لبنان على معالجة وضعه الامني بدءا بمعالجة موضوع السلاح، لان اي حكومة لن تستطيع ان تحكم وان تتخذ القرارات بارادة حرة مع وجود السلاح خارج الشرعية، وما دام هذا السلاح بدون معالجة جذرية، فلن تقوم في لبنان دولة، ولن يكون في لبنان امن الا بالتراضي او بالتغاضي عمن يعكرونه. واولى المعالجات تكون بجعل بيروت منزوعة السلاح كي تصبح القوات المسلحة قادرة على حفظ الامن فيها، وهذا ينبغي ان يتقدم حتى على تشكيل الحكومة او يترافق مع تشكيلها، اذ ماذا ينفع وجودها مع وجود مسلحين اقوى منها وهم يسرحون ويمرحون في شوارع بيروت، واي قرارات تستطيع اتخاذها اذا كان من يمسكون بالارض هم الذين يقررون عنها او يحولون دون تنفيذ قراراتها؟

فالرئيس فؤاد شهاب بدأ عهده بالامن قبل ان يبدأ بالحكومة. والبند الوارد في اتفاق الدوحة والقائل بحصر السلطة الامنية والعسكرية بيد الدولة وتطبيق القانون واحترام سيادة الدولة في كل المناطق اللبنانية، بحيث لا تكون هناك مناطق يلوذ اليها من وجه العدالة وتقديم كل من يرتكب جرائم او مخالفات للقضاء اللبناني يحتاج الى ترجمة سريعة. فهل تقدم اللجنة الوزارية العربية على ذلك قبل فوات الاوان؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل