#adsense

حزب الله أم مقاومة؟

حجم الخط

«حزب الله» أم مقاومة؟

في سوق التبادل السجاليّ حجّة يقول أصحابها: نحن مع «حزب الله» لأنّه مقاومة. ويسجّل هؤلاء انتقادات إيديولوجيّة عليه، وقد يتحفّظون عن دينيّته أو طائفيّته أو محافظته. إلاّ أنهم يفعلون همساً أو بصوت خفيض، لا خوفاً من أن يسمعهم عدوّ لا يخافونه طبعاً، بل خوفاً من «حزب الله».

وفي الحالات جميعاً، تراهم يغفرون للحزب ما يعتبرونه أخطاء لمجرّد أنه… مقاومة.

الحجّة السحريّة هذه رائجة بين بقايا اليسار وبقايا «التحرّر الوطنيّ». بيد أن ما يتمسّك به هؤلاء أسوأ مما يتنصّلون منه، أي أن «حزب الله»، في الحساب الأخير، خير من المقاومة.

والفصل ليس تعسّفاً ولا افتعالاً، إذ علاقة الحزب بالمقاومة من التاريخ، لا فوق التاريخ ولا تحته. فذات مرّة لم تكن المقاومةُ «حزبَ الله»، واستمرّ هذا إلى أن صفّى الأخير وحلفاؤه أولئك المقاومين. وذات مرّة لم يكن «حزب الله» يعني المقاومة إذ رمز، في المقام الأوّل، إلى مشروع «جمهوريّة إسلاميّة» في لبنان، وشعاره الحاكم كان «حجابكِ أغلى من دمي».

والثنائيّ المتفاوت، الحزب والمقاومة، حريّ بالتأمّل. فالأوّل لبنانيّ المصدر بأهله ومنطق اشتغاله، أي منافسته الطائفيّة للطوائف الأخرى. وهو راديكاليّ الطائفة الشيعيّة تصل به راديكاليّته إلى حدّ تقنيعها بالمقاومة. وهذا إذا ما كان رديئاً فهو من رداءة الاجتماع اللبنانيّ التي تسم، بهذه النسبة أو تلك، الجميع. وهو يتطلّب العيش وفق تسويات متواصلة يشوبها قليل من التوتّر. أما المقاومة، وقد ارتبطت بطائفة بعينها، فغدت تفعل الشيء ذاته مصحوباً باحتمالات التقويض لبلد بأكمله. فمع «حزب الله»، كحزب شيعيّ مثله في ذلك مثل سائر أحزاب الطوائف، هناك طائفيّة تعقبها تسوية. ومع المقاومة، كحالة شيعيّة مموّهة آيديولوجيّاً، هناك طائفيّة من دون تسوية. ومع الأوّل، يكون المستفيدون لبنانيّين، ولو على حساب لبنانيّين غيرهم. ومع الثانية، المستفيدون غير لبنانيّين على حساب لبنان.

فالمقاومة، إذاً، حجاب الحزب، وقد غدا السفور مُلحّاً بعد انسحاب 2000 ثم القرار 1701. فالانسحاب جعلها مقاومةً من غير احتلال، والقرار منعها من أن تقاوم. ولأنها باتت العبث المحض والمكلف في آن، صار من مصلحة الجميع، بمن فيهم الشيعة اللبنانيّون، ظهور «شين فين» وضمور «الجيش الجمهوريّ». وقد سبق أن قيل، أوائل التسعينات، إن الحزب «تلبنن» واحتفظ بسلاحه، لكن هذه كانت خدعة ينبغي تفاديها اليوم. فما اصطُلح على تسميته «لبننة» لا يعني سوى الانخراط السلميّ الكامل في مؤسّسات الدولة، والتعامل مع البرلمان على نحو جادّ، أي اعتبار التشريع هدفاً بذاته ولذاته، لا غطاءً لخدمة المقاومة.

وإذا جاز أننا في مناخ تسوويّ إقليميّاً أمكن الحديث عن فرصة ملائمة لتحوّل كهذا، سيّما إذا كانت الولايات المتّحدة وإيران في مزاج مشابه لما قد يكون (؟) مزاجاً سوريّاً – إسرائيليّاً. ومن يدري، فقد نكون أمام أرنب يتظاهر بأنّه سلحفاة ثم يقفز، مرّة واحدة، قفزته الكبيرة والأخيرة؟ فمن التصريحات السوريّة إلى الكلام الحلو للشيخ نعيم قاسم، شيخ الكلام المرّ، انتهاءً بإشارات ساركوزي الجديدة حيال دمشق، تبدو الاحتمالات التركيّة جدّيّة. بل ربّما جازت المغامرة بقراءة مغايرة لأحداث ووقائع عبرت، كأنْ يكون غضّ النظر العالميّ عن معارك بيروت، ثم تبادل الأسرى والجثث بين إسرائيل و «حزب الله»، من قبيل جوائز الترضية!؟ بل ربّما أمكن التكهّن بترسيم الحدود اللبنانيّة للحزب استناداً الى تطوّرات موضوعيّة: فهل يجعله انكفاء العواطف السنّيّة عنه حزباً كامل الشيعيّة؟ وهل يتحوّل تأييد الأمين العامّ للمقاومة العراقيّة إلى فرز حزبه، كجسم لبنانيّ، عن الشيعيّة العراقيّة؟ ذاك أن المقاومة في العراق تعني، عمليّاً، قتل سُنّة لشيعة. وإذا استمرّت المقاومة في لبنان انتهت قتل شيعة لسنّة. وهو ما لا يمكن أن يكون، حتّى لو أحبّ المقاومةَ يافعون في اليسار.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل