#adsense

زيارة الرئيس الفرنسي تبرز الأبعاد الجديدة شكلاً ومضموناً

حجم الخط

زيارة الرئيس الفرنسي تبرز الأبعاد الجديدة شكلاً ومضموناً
قصر بعبدا استعاد الوهج المفقود والدور الحقيقي

روزانا بومنصف (النهار)

شكّلت زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للبنان حدثاً بالغ الاهمية من حيث دلالاتها في الشكل والمضمون والابعاد. فقبل كل شيء، ان مشهد رئيس الجمهورية ميشال سليمان ومن حوله رئيسا مجلس النواب والحكومة وسائر اركان الدولة وسط انتشار امني كثيف ليس في مطار بيروت فحسب بل ايضاً في قصر بعبدا بالذات، هو مشهد افتقده اللبنانيون خلال الاعوام الاخيرة التي غاب فيها دور الرئاسة الاولى واقتصر حتى قبل مرحلة التمديد على استقبالات بلدية لا ترقى على الاطلاق الى مستوى دور الرئاسة.

كانت زيارة ساركوزي مهمة من حيث اعطاء دفع قوي لموقع الرئاسة الاولى بطابعها اللبناني الذي افتقدته طويلا، باعتبارها رأس الدولة التي تجمع من حولها الجميع في الاكثرية والمعارضة وليست داعمة لفئة وعاملة على غلبتها، او محسوبة على فئة ومدعومة منها وحدها فحسب. من هذه الزاوية كانت زيارة ساركوزي المحفز لاطلاق هذا المشهد وهذا الدور لرئيس الجمهورية باعتباره المشهد الاول بعد انتخابه في ظل انتظار تأليف الحكومة والتئام شمل الجميع فيها او حول طاولة الحوار. والكلام الذي اطلقه الرئيس سليمان امام ساركوزي كان بدوره هادئاً ومسؤولاً، ويشي بدور مختلف للرئاسة الاولى حتى الآن لجهة التزام لبنان موقعه ودوره وحاجته المستمرة الى الدعم الدولي وتعهد الوفاء لالتزاماته السياسية والاقتصادية أيضاً، مع اشارة لافتة الى ما قدمته فرنسا للبنان من مساعدة في مؤتمر باريس 3. وهي لفتة مهمة من رئيس الجمهورية لادراكه اهمية الاصلاحات الاقتصادية وضرورتها الحتمية الى جانب الاصلاحات السياسية ومدى تعويل المجتمع الدولي على هذه الاصلاحات الاقتصادية التي التزمها لبنان تكرارا من اجل مساعدته.

وهذا المشهد يحتاج اليه لبنان، لا بل اشتاق اليه فعلا، إن شكلا من حيث الرمز الوطني الذي يعبّر عنه رئيس الجمهورية، وإن مضمونا من حيث التعبير الهادىء والمتواضع من دون ادعاءات او توقعات او مطالبات غير واقعية، حتى لو كان رئيس الجمهورية في مرحلة تلمس طريقه بين الالغام المحلية والخارجية على حد سواء. انها ببساطة صورة افتقدها لبنان وساهمت زيارة ساركوزي، لكونها الاولى لرئيس فرنسا بما تعني فرنسا للبنان وما يعني لبنان بالنسبة اليها، بهذا الحجم وهذه الرمزية في اعادة الوهج الى موقع الرئاسة الاولى بعد فراغ مخيف في الموقع والدور يتخطى الاشهر الستة لفراغ موقع الرئاسة عمليا.

والرسائل التي وجهها ساركوزي بالغة الاهمية. ففرنسا هي بجانب لبنان كما ظهر في قصر بعبدا، برئيس هو رمز البلاد تحوطه جميع الفئات السياسية والطائفية. ويلي ذلك اهمية الرسائل للداخل كما لسوريا من لبنان، من حيث اصراره على نقطتين مهمتين في ما يتعلق بالاخيرة: الاولى تتعلق باصرار فرنسا على معاقبة المجرمين والا تبقى الجرائم السياسية من دون عقاب. وهذا الكلام ورد اكثر من مرة في محطات مختلفة خلال زيارته القصيرة. والثانية تتعلق بالتشديد على مساعدة لبنان السيد الحر والمستقل الذي تربطه علاقات طبيعية جيدة مع جيرانه البارزين "لكننا سنراقب هذه العلاقات التي يجب ان تكون مبنية على الاعتراف بسيادة لبنان واستقلاله". وهذه العبارة تندرج في اطار تنبيه سوريا الى ان استمرار علاقاتها الجيدة بها هي رهن بما يحدث في لبنان، وتاليا في اطار احترام سوريا سيادة لبنان واستقلاله، ثم في اطار طمأنة اللبنانيين الى ان لا مساومة على سيادة لبنان واستقلاله، علماً ان بعضهم يرى حماسة مفرطة لدى ادارة ساركوزي، والبعض الآخر خفة سياسية بالغة، الى الاستهانة ببعض الثوابت في السياسة الخارجية الفرنسية المعهودة ازاء لبنان في مقابل المصالح الخارجية. كما ان ساركوزي شدد على اشتراط احترام هذه السيادة من جيران لبنان، تماما كما شدد على ان لا مساومة على موضوع المحكمة مع استعادة العلاقات السياسية قريبا مع دمشق. بل ان هذين العاملين هما في صلب الثوابت الفرنسية التي لن تشهد تغييرات مع تطور العلاقات مع سوريا، اي ان هذه العلاقات لن تكون على حساب لبنان بل على العكس من ذلك. وتاليا يسير هذان العاملان جنبا الى جنب مع مجموعة من الرسائل لساركوزي في محطاته الكلامية الثلاث، لا بل الاربع، اذا اخذنا في الاعتبار حديثه الى الصحافة اللبنانية عشية وصوله. فالاشارات الاخرى لا تقل اهمية، سواء من حيث دعم الحكومة اللبنانية، او دعم رئيس الجمهورية والجيش اللبناني وارساء اسس المصالحة الوطنية، مع تحية الى الرئيس فؤاد السنيورة الذي تشهد له ممارسته خلال الاعوام الأخيرة وما حفلت به على تقدير كبير من جميع رؤساء الدول والحكومات والديبلوماسيين، وكذلك للبطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير.

في اختصار، انها زيارة ساهمت في ابراز اهمية اعادة الروح الى لبنان المؤسسات الدستورية التي افتقدها في خلال الاعوام الأخيرة بقطع النظر عما يمكن ان يقطفه ساركوزي بالذات في صورة تجمع كل فرنسا السياسية في لبنان او ما يمكن ان تقطفه ادارته في السياسة الخارجية عبر لبنان، على غرار ما قد يبحث كثيرون.

المصدر:
النهار

خبر عاجل