#adsense

العميان

حجم الخط

العميان
احمد عياش (النهار)

لن يستوعب احد كيف يستطيع اللبنانيون ان يقاوموا الكأس المرة تلو المرة فيستحقون اعجاب العالم وآخرهم امس الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الا اذا ادرك الارتباط العميق بين الانسان والمكان. فالحب الذي يتأصل نتيجة هذا الارتباط هو الذي يمنح اليائسين عزيمة والمحبطين املا والخائفين طمأنينة. ولا ادل على هذا الكلام مما جرى مباشرة بعد اعلان اتفاق الدوحة وتدفق الناس الى وسط المدينة الذي تحول بأسرع من لمح البصر من مكان يعشش فيه الفراغ الى مكان يضج بالحياة. لم يفعل الناس ما يفعلونه لأنهم تلقوا ضمانات كاملة ووافية بأن ازمتهم انتهت، بل لأنهم دأبوا على الفعل ذاته منذ 33 عاماً حيث تقلبت الاحوال مثل الاهوال فتركت آثارها التي تدخل التاريخ.

احداث بيروت في مستهل ايار الماضي والتي تناسلت حتى الآن، طرحت معضلة تحمل قسمات معضلة مماثلة عام 1975. غير ان الفارق الذي يعرفه الأحياء الذين عاصروا ذلك التاريخ هو ان الناس اندفعوا وقتذاك الى الحرب يتملكهم شغف هو ذاته عند اليمين واليسار، وعند الوطنيين والقوميين، وعند العروبيين والامميين. الاصوات القليلة في تلك الايام والتي تمثل ضمير السلام في الوطن ورمزها الاكبر العميد ريمون اده ومثله الامام موسى الصدر كاد ان يطحنها التهافت على الحرب التي انتهت بعد اجيال الى ما بشرت به هذه الاصوات، اي لا حل خارج الشرعية، وطنية كانت ام دولية.

اما اليوم، فكثيرون هم الذين يشبهون ريمون اده وموسى الصدر مضافة اليهم خبرات جديدة، وفي مقدمهم فؤاد السنيورة وسعد الحريري ووليد جنبلاط وعلي الامين من موقع مقارعة الفتن المذهبية والبطريرك صفير وامين الجميل وسمير جعجع وسائر قيادات 14 آذار من موقع مقاومة الفتنة الوطنية. وتم تتويج "الادّيين الجدد" و"الصدريين الجدد" برئيس للجمهورية هو ميشال سليمان الذي يتصرف كخريج معبد بوذي لا كقائد عسكري لجيش بلاده.

في المقابل، هناك كثيرون يهزأون بهذا الجنوح الى السلام. لا بل ان سلوكهم المستمر في بيروت يكرس هذا الهزء لدفع المسالمين الى طريق العنف. لكن الحصيلة، وخلافا لهذا الترويج الواسع لانتصارات وهمية، تشير الى هزيمة الذاهبين الى الحرب والناس عائدون منها بعد جروح 33 عاما. فمنطق الدولة يستعيد النطق وإن بدا اليوم منخفضا.

طريق الخلاص يلوح، على المثال الذي اكتشفه العميان في مسرحية موريس مترلينك قبل 118 عاما والتي قدمتها الى الجمهور اللبناني قبل ايام لينا ابيض من خلال نص ترجمه حرفيا الاديب رشيد الضعيف وابيض معا ومثلته باحتراف مؤثر كوكبة من الصبايا والشباب على مسرح الجامعة اللبنانية الاميركية في بيروت. كم هي محنة العميان عظيمة عندما تُركوا لوحدهم يواجهون قدرهم في جزيرة يسكنهم الرعب من حولهم ويتهددهم سوء المصير. ان السؤال عما يكون الخلاص في حال كهذه اشبه بالخيال المستحيل. ولكن من اعماق المحنة يتصاعد صوت رضيع من ام عمياء ليمنح الامل بأن هناك عينين تبصران. انه صوت يحمل الحب الذي ينير العتمة.

عميان لبنان يشبهون عميان مترلينك. الصراخ المتصاعد من بينهم سببه حالة فقدان السمع مع البصر، فلا تلتقط آذانهم صوت الحب الذي يتجذر في وطن انهكه العنف الاعمى.

المصدر:
النهار

خبر عاجل