سوريا لن تحسم خياراتها قريباً!
تبدو سوريا بشار الاسد اكثر ارتياحاً هذه الايام منها قبل سنوات ثلاث او أربع. ففي لبنان نجحت وبتنسيق تام مع "حليفتها الاستراتيجية" الجمهورية الاسلامية الايرانية وبواسطة الحلفاء اللبنانيين للإثنتين الذين يقودهم "حزب الله" الى الانتقال اولاً من مرحلة الخسارة والدفاع في الصراع مع اميركا وحلفائها عرب الاعتدال عبر لبنان – الساحة وبواسطة شعوبه الى مرحلة التوازن ثم الى مرحلة الهجوم. فالى مرحلة النجاح وان غير الكامل حتى الآن او الانتصار جزئياً الذي اطلقه العمل العسكري لحلفاء الدولتين المذكورتين في لبنان والذي كرسه "حوار الدوحة" لاحقاً وسيحاول منفذوه استكماله ميدانياً وسياسياً أولاً من خلال تأليف الحكومة الاولى في عهد الرئيس العماد ميشال سليمان ولاحقاً خلال التدخل في كل القضايا مستفيدين من قوتهم العسكرية والشعبية وتحالفهم الاقليمي ومن تعثّر اخصامهم الداخليين والحلفاء العرب والدوليين لهؤلاء الاخصام. ولعل ابرز اشارة الى نجاح سوريا بشار الاسد لبنانياً هو مسارعة قوى اوروبية عدة في مقدمها فرنسا نيكولا ساركوزي الى اعتماد لبنان جسراً للعبور اليها بل الى اعتماد "اتفاق الدوحة" الذي لم يتأكد بعد امكان نجاحه في معالجة القضايا التي نيطت به معالجتها لتحقيق هذا العبور.
وفي العراق خف الضغط الاميركي والدولي على سوريا بشار الاسد بعد تأكد المسؤولين في واشنطن واقرانهم في اوروبا والعالم ان المشكلة الاساسية في هذا البلد هي مع شعوبه ومع الجمهورية الاسلامية الايرانية التي تستطيع بتفاهم وإن جزئياً ومحدوداً مع هؤلاء المسؤولين ان تمكّن القوات الاميركية من مواصلة تسديد ضربات قاضية الى "تنظيم القاعدة". علماً ان ذلك لا يقلل ويجب الا يقلل من قدرة ما لسوريا على الايذاء في "العراق الاميركي" اذا جاز التعبير. وهي قدرة تبقى اكبر بكثير من القدرة على تحقيق المنافع سواء للعراقيين أو للاميركيين.
ومع اسرائيل واميركا نجحت سوريا بشار الاسد خلال الاعوام الثلاثة الماضية ورغم التوتر بل العداء الذي نشأ بين دمشق وواشنطن و الضربات العسكرية وان القليلة ولكن المنهجية التي وجهتها اسرائيل الى سوريا في تبديد الافكار التي كانت تراود الكثير في واشنطن والقدس وتل ابيب وفي لبنان 14 آذار ولدى عرب هذا اللبنان وعرب اميركا والتي كانت تدعو بشدة الى العمل لاسقاط النظام السوري باعتباره رأس المعاصي ومصدرها في لبنان والعراق والاراضي الفلسطينية المحتلة و"جامع مجد" الارهاب من طرفيه الشيعي والسني بالتحالف مع ايران الاسلامية وبالتعاون وإن ظرفياً مع جهات اسلامية اصولية سنية بالغة التطرف سواء انتمت الى "القاعدة" او الى من هم الى يمينها او يسارها. وكان سبب النجاح ان البديل من نظام بشار الاسد اصولي سلفي فوضوي عنفي مدمر ومخرب في حين ان التجربة معه دلت على استمرار تعقله وخصوصاً في موضوع احترام الاتفاقات السابقة وإن غير السياسية والتفاهمات غير المباشرة مع اسرائيل بواسطة اميركا والامم المتحدة وفي موضوع مواجهته الارهاب الاسلامي السني عندما يحتم الامر ذلك اي عندما يبلغ تهديده الداخل السوري.
ولعل السبب الابرز للارتياح الكبير الذي تشعر به سوريا الآن هو بدؤها مفاوضات رسمية لكن غير مباشرة مع اسرائيل برعاية تركيا واعلانها ذلك وابداؤها عزمها على الاستمرار فيها وتحويلها رسمية مباشرة اذا حققت نتائج واعدة. ويعد ذلك نجاحاً ليس لسوريا وحدها بل ايضاً لاسرائيل التي كانت واشنطن "منعتها" اذا جاز التعبير في السنوات الثلاث الماضية من التجاوب مع دعوات سورية للتفاوض وذلك خوفاً من استغلال دمشق الفرصة لتخفيف سلبية اميركا حيالها ولاحقاً للتفاهم مع الاخيرة على امور عدة أهمها لبنان. ولا يقلل من الارتياح المشار اليه ومن الاسباب التي ادت اليه استمرار الحذر الاميركي او التحفّظ الذي ظهر في مواقف كبار مسؤولي ادارة الرئيس جورج بوش المرحبة بالمفاوضات الاخيرة.
هل تصل المفاوضات السورية – الاسرائيلية الى خواتيمها قريباً؟ وهل يمكّن ذلك سوريا بشار الاسد من عودتها صاحبة دور اقليمي كبير ومهم في لبنان وخارجه طبعاً بعد استعادتها الجولان المحتل؟
لا يبدو للمراقبين من قرب ان المفاوضات ستنتهي قريباً الى نتائج ايجابية نهائية. واسباب ذلك كثيرة. منها الوضع السياسي المرتبك داخل اسرائيل وانشغال احزاب اسرائيل وقادتها وشعبها بالازمة الحكومية الناشبة والتي "ستحتد" اذا تخلى ايهود اولمرت عن رئاسة الوزراء بسبب"فساده" وسواء ادى تخليه الى انتخابات نيابية مبكرة او الى تأليف حكومة جديدة مع شخصية اخرى من حزبه "كاديما". وكل ذلك يضعف قادة اسرائيل ويجعلهم عاجزين عن التنازل وخصوصاً في ظل تنامي المتطرفين في الاوساط الشعبية. ومن الاسباب ايضاً قرب انتهاء ولاية الادارة الاميركية الحالية غير المتحمسة اصلاً للمفاوضات السورية – الاسرائيلية واستمرار انشغالها بقضيتين مهمتين جداً هما العراق وايران وكذلك بالصراع الفلسطيني – الاسرائيلي وحاجة الادارة الجديدة الى اشهر عدة للانطلاق الفعلي في التصدي للمشكلات الداخلية كما لمشكلات العالم. ومن الاسباب اخيراً وليس آخراً تروي سوريا بشار الاسد وعدم جهوزيتها لتسوية سريعة أو متسرعة مع اسرائيل والتي سيكون عليها في مقابلها "الدفع" من علاقتها بايران الاسلامية و"حزب الله" والاسلاميين الفلسطينيين. وهذا الأمر ليس سهلاً عليها لاعتبارات كثيرة معروفة. ولذلك فإنها قد تفضل الاستمرار في التفاوض وابداء "النيات الحسنة" من دون التنازل فعلياً عما تعتبره مصالحها المشروعة منها وغير المشروعة ريثما تتوصل اميركا والمجتمع الدولي من جهة وايران من جهة اخرى الى تسوية نهائية حول كل القضايا المختلف عليها او الى مواجهة عسكرية مباشرة تجنبان سوريا دخول مرحلة الخيار الصعب بين ايران وحلفائها في المنطقة وتحديداً اللبنانيين والفلسطينيين وبين اميركا والمجتمع الدولي.